المحتوى بدفقة فكرية واضحة البداية والنهاية كَأَنْ تُرى في وَحْدة بَيِّنة، عندها يمكن القول إنّنا أَمامَ القصيدة القصيرة، في حين عندما يكون المحتوى (الفكرة أو التصوّر الفكري) مُعَقَّدًا جِدًَّا لدرجة أَنْ يلجأَ العقلُ إلى تقسيمه على شَكْل سِلْسِلة من الوحدات الجُزْئِيَّة وذلك ليُخْضِعَهُ لترتيب ما من أَجل استيعابه في إِطار كُلِّي، عندها يمكن القول إِنّنا إِزاءَ ما يُسمّى بالقصيدة الطويلة" [1] ."
إِنَّ طابع التعقيد في بناء القصيدة الطويلة له صلةٌ بالجانب الدِّرامي في العمل الشِّعري فكُلَّما تَشَعَّبَ ذلك الصراع امتدَّتِ القصيدة مِمّا يجعل هذه الميزة تُقرِّب القصيدة الطويلة من المِلْحَمَة [2] .
إنَّ تنوع العواطف في القصيدة وعنفوان الانفعالات هو الذي يُحدِّدُ طولَ القصيدة أو قِصَرَها حتَّالو طالت مقاطع القصيدة وبقيت في مسار عاطفي واحدٍ فإنها تَنْخَرِطُ في خانة القصيدة القصيرة [3] .
ولعلَّ وجهة النظر الغَرْبِيّة الَّتي ترى:"أَنَّ القصيدة الطويلة تركيبةٌ شعريةٌ جديدةٌ لا علاقة لها بعدد الأبيات" [4] وأَنَّ المعيار المُهمّ للقصيدة الطويلة هو أَنْ تبقى أجزاؤها مترابطة ترابطًا عضويًا لا يسمح بإجراء أَيِّ تعديلٍ عليها (7) ، هي الَّتي تابعها بعض المُحْدَثِين من النقاد العرب.
ولا شَكَّ في أنَّ وضع المتلقي سيختلف وهو يتابع قصيدةً قصيرةً أو قصيدة طويلةً فالقصيدةُ القصيرةُ يمكن النظر إليها نظرة شاملة تحيط بالقصيدة بأسْرِها على حين لا يمكن النظر إلى القصيدة الطويلة إِلاّ عبر تجزئة أفكارها ومن ثُمَّ تجزئة النظر فيها فالنظرة إلى القصيدة الطويلة لا تحيط بها احاطةً شاملةً بل تشبه إلى حد بعيد تَتَبُّع مجرى جدول يمتد لمسافات طويلة تحتاج من المتلقي أن يتوقف عند كل تعرج وكل مظهر من المظاهر الطبيعية الَّتي تحيط بذلك الجدول، أما القصيدة القصيرة فالمُتَلَقِّي إِزاءَ بحيرة هادئة الجمال يمكن النَّظَر إليها بشكل شمولي يلاحق جميع أجزائها [5] .
(1) نقلًا عن المصدر نفسه: 51 وينظر الشِّعر الشعبي المعاصر للدكتور عز الدين اسماعيل: 246.
(2) يرى الدكتور عز الدين اسماعيل أنَّ عصر الملاحم انتهى وأنَّ القصيدة الطويلة هي البديل عنها، ينظر الشِّعر الشعبي المعاصر: 248.
(3) الشِّعر العربي المعاصر: 251.
(4) شعرنا الحديث. . . إلى أين، غالي شكري: 95.
(7) عرض الناقد غالي شكري نموذجًا للقصيدة القصيرة وهي قصيدة"الذي يأتي ولا يأتي"لعبد الوهاب البياتي بوصفها قصيدة قصيرة على الرَّغم من تكونها من ثمانية عشر مقطعا، ينظر: شعرنا الحديث ... إلى أين؟: 95 ـ 96.
(5) بنية القصيدة القصيرة في شعر ادونيس: 55 (الهامش) .
(2) شمل الإحصاء ديوان الجواهري ط. وزارة الأعلام فقط.