ففي هذا الجزء من القصيدة تتمازج الأساليب بين نداء وأمر واستفهام ونهي في بناء يعبِّر عن شدَِّة انفعال الشَّاعر وسعة حكمته ويعضد ذلك قدرة كبيرة على التصوير الذي يشعُّ حيوية وبهاءً قلَّ نظيرهما عند غيره من الشِّعراء المعاصرين.
ينتشر النِّداءفي شعر الجواهري بوصفه وسيلةً بارزةً من وسائل الخطاب بشكلٍ كثيفٍ نستشف منه ولع الشَّاعر بهذه الطريقة الخطابية الجاهزة إلى الحَدِّ الذي يختار النِّداءعنوانًا لقصائد عديدة وليس ذلك بمستغرب على شاعر يتوجه إلى الخارج في خطابه فيعقد بينه وبين الأشياء صلةً حميمةً عبر هذا الأسلوب وغيره من أساليب الطلب وقد يرغم الأشياء لتنوءَ برفقة الشَّاعر ويجبرها على مسايرته.
ويختار النِّداءبوصفهِ ركيزةً يرتكز عليها في بناء قصيدته يكرِّرها في بدايات المقاطع وفي أثنائها ففي قصيدة"يا دجلة الخير" [1] يتردد هذا التركيب في أكثر مقاطع القصيدة في (23) موضعًا ويرد في موضع"يا دجلة الخيرات"ويتنوَّعُ المنادى ليس في هذه القصيدة فحسب لكن في معظم قصائده الَّتي بناها على أسلوب النداء. فالمُنادى الرئيس هو"دجلة"رمز الوطن في الغربة ولا شكَّ في أنَّ الشَّاعر عانى كثيرًا وهو يختار"دجلة الخير"مخاطبًا في قصيدته فظروف الغُرْبة والعَوَز والشُّعور بالاضطهاد تحيط بالشَّاعر وتنعكس في هذه القافية النُّونِية الَّتي تزخرُ بالأنين والشَّاعر على وعي بها ناهيك عن انتشار النون في تضاعيف القصيدة بأسرها، ولا يقف الشَّاعر عند هذا المنادى بل يوجِّه خطابه إلى أشْياء أُخْرى يرغمها على ولوج ساحة حُزْنهِ الكبير فقال:
وأَنْتَ يا قاربًا تلوي الرِّياحُ بهِ ... ليَّ النَّسائمِ أطْرافَ الأفانين
وينتقل إلى نداء نفسه فيقولُ:
صَنَّاجَةَ الأدب الغالي وكَمْ حِقَبٍ
بها المواهبُ سِيمَتْ سَوْمَ مَغْبُونِ
ويتوجَّه بالنِّداءإلى نُقَّاده في هذا المقطع بالقَوْل:
ويا زعيمًا بأنْ لم يَأتِهِ خَبَرٌ ... عمّا يُنَشَّرُ من تلك الدَّواوين
ويعود إلى نفسه بعدما خاطب دجلة في أكثر من موضعٍ:
يا نازِحَ الدَّارِ ناغِ العُوْدَ ثانيةً
وجُسَّ أوتارَه بالرِّفْقِ واللِّينِ
(1) الديوان: 5/ 83 وينهج هذا النهج في قصائد عدة منها:
باريس: 3/ 337، وانيتا: 3/ 355 والى الشعب المصري: 4/ 25 ويا أم عوف: 4/ 199 ويانديمي: 5/ 121 ويا غريب الدار: 5/ 195 وفرصوفيا: 5/ 215 ويا غادة الجيك: 6/ 39 وسائلي عما يؤرقني: 6/ 119، وحبيبتي: 6/ 223.