أمّا صيغة"لِيَفعَلْ"فهي نادرة في شعره ولم يرتَكِزْ عليها في بناء قصائده بل استعملها عَرَضَا [1] لكونها -صيغة في مجمل استعمالاتها- تصلح للغائب والمتكلم والمخاطب فهي شائعة على حين أن صيغة الأمر لا تعرف غير المخاطب.
ويلازم الأمرَ في أحيانٍ كثيرةٍ أسلوب النهي إذ غالبًا ما يستعملهما الشَّاعر معًا وقد تتعاقب الأساليب في القصيدة فما أن يبدأ بالنِّداءحتَّايردفه بنهي أو أمر أو استفهام فتتعاضَدَ الأساليب بما فيها من جهرية وعُلُو نبرة في بناء القصيدة بأسرها لتعبر عن فَوْرَةٍ عاطفية تكتنف كيان الشَّاعر وتُسهم في تدفقها صورًا ينبهر الذِّهْن إزاء خياله الذي التقطها ورسمها، ففي قصيدة"يا بن الفراتين" [2] قال في المقطع الثاني منها:
يا بن الفراتينِ لا تحزَنْ لنازلةٍ ... أغلى من النَّازلات الحُزْنُ والكَمَدُ ... ج
دَوْحُ الرُّجولةِ لا تلوي الرِّياحُ به ... لكن تُنَفِّضُ أوراقًا وتُختَضَدُ
ولا تَلُذْ بِتَعلاّتٍ مُسَوِّفَةٍ ... ولا يكَتِّفْكَ صَبْرٌ حَبْلُهُ مَسَدُ
فما التأسّي إذا لم يَنْفِ عنك أسىً ... وما التجلّدُ إنْ لم ينفع الجَلَدُ
لم يُبقِ أمسُك من عُقْبى يَلَذُّ بها ... يوماكَ إنَّ شقيقَ الطارفِ التَلِدُ
وخلِّ نفسك تجرُرْ من أعِنّتها ... رِسْلًا تُراوحُ أو تَشتدُّ أو تَخِدُ
فإنّ أفظعَ ما في الكون مضطهَدًا ... خَوالِجٌ في حنايا الصَّدر تُضطهَدُ
وما ضَمانةُ قَولٍ لا شَفيعَ له ... من الضَّمير ولا من ذِمَّةٍ سَندُ
ولا تحاورْ بما استصفيتَ مُعتَقدًا ... ولا بـ"كيف"و"ماذا"رُحْتَ تعتقدُ
ولا تُغالطْ فقد أَغْناك زَخرَفةً ... منْ قبل ألفين فيما صاغَهُ"لَبَدُ"
لا تَقْتَرِحْ جِنْسَ مولودٍ وصورتَهُ ... وخَلِّها حُرَّةً تأتي بما تَلِدُ
وقلْ مَقالَةَ صدقٍ أنت صاحِبُها ... لا تستَمِنُّ ولا تَخشى ولا تَعِدُ
وما تخافُ وما ترجو وقد دَلَفتْ ... سَبْعُونَ مثلَ خُيول السَّبْقِ تَطَّرِدُ
لا تُرْهِقِ الدَّهرَ عَتْبًا أو مُخاصَمةً ... ففي دِمائِكَ خَصْمٌ كلُّهُ لَدَدُ
(1) الديوان: 1/ 115 قال في إحدى قصائده المبكرة الَّتي نظمها في 1921
سلوت الهوى فلْيرددِ النومَ سالبٌ ... فجفني لم يُخلق لكيلا يُهوِّما
وقال في قصيدة"الأنانية"الديوان: 2/ 131
هي النَّفس نفسي يسقط الكُلُّ عندها ... إذا سَلِمَتْ فَلْيذهبِ الكَوْنُ عاطبا
وكرَّرها متعاقبةً في ثلاثة أبيات في قصيدة الشَّاعر الجبار
ينظر الديوان: 2/ 282.
(2) الديوان: 5/ 349.