فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 191

الزيادة فيها ومَرَّة بتوليد الأَلْفاظ على حَسْب ما تسمو إليهِ هِمَمُهُمْ عند قرض الأشعار" [1] ."

وفي سَعْي الشَّاعر إلى التَّعْبير عَمّا يريدُ لايبالي بِنَوُّع الجُمَلة الَّتي يبدأ بها أوْ نَوُّع الأُسْلوب لكِنَّه يُعَبْرَ بِشَكْلٍ عَفْويٍّ عَمّا يُريدُ فتنهمر عليه اللُّغَة انهمارًا عَبْرَ دَفَقاتٍ مِنَ القول يَهصرُها خَيالُهُ الخِصْبُ ولذلِكَ كأَنَّ شعره يمثِّل اللُّغَة وهي في كامل حيويتها وعُنْفُوانِها بَعيدًا عن القوانين التَّعليمية الَّتي يَفْرِضُها النَّحْوِ، وَقَدْ نبّهَ سيبويه إلى ذلِكَ في باب ما يحتمل الشِّعر [2] َوخَلُصَ إلى أنَّ للشِّعر نَحْوًا خاصًَّا يختلفُ عن اللُّغَة العادِيّة وذلِكَ يَنْبُعُ مِنْ طبيعة الشِّعر نَفْسِهِ.

إِنَّ ما أدْركَهُ سيبويه وغيرُهُ مِنْ عُلَماء العَرَبّية مِنْ طبيعة لُغة الشِّعر دَفَعَتْهُمْ إلى التسمُّح إزاء خروج الشَّاعر على قوانين اللُّغَة ولجوئه إلى ما تقتضيه ضرورة الشِّعر فَضْلًا عن أنَّ الشِّعر يختلف عن الأمثلة التعليمِيَّة المَصْنُوعة فليس شرطًا فيه أنْ يتجاوَرَ المبتدأُ والخبر أو الفِعْل والفاعل أو خلق علاقات جديدة بَيْنَ الأَلْفاظ مِنْ خلال عَلاقة التجاور بَيْنَ المُضاف والمُضاف إليهِ أو الصِّفة والموصوف وغيرهما، فالشِّعر يثري اللُّغَة الحيَّة مِنْ خلال قُدْرَة الشَّاعر على خَلْقِ علاقاتٍ جديدةٍ بَيْنَ ألْفاظها لم تَكُنْ معهودةً مِنْ قَبْلُ.

وَقَدْ عَمَدَ الجواهري في العديد مِنْ قصائده إلى تأليفٍ غيرِ خاضعٍ خُضوعًا مُقَنَّنًا لِما تَضُمَّهُ كُتُبُ النَّحْوِ مِنْ قوانينَ فَجَعَلَ لِشعره نظامًا لغويًا يشتركُ فيه مع غيره مِنَ الشِّعراء لكِنَّه يتفرد مِنْ بَيْنَ معاصريه في الأَقلّ بخصائِصَ غيرِ مألوفةٍ في العربَّية المعاصرة.

وفي مجال الوقوف على طبيعة بناء التراكيب والجُمَل في شعر الجواهري نَتَلمَّسُ ظواهرَ عِدَّة سَنَقِفُ عِنْدَها تِباعًا ومِنْ بَيْنَهِا:

ونَعْنِي بالتَّوازن تَماثُلَ العِبارة بِشَكْلٍ أُفُقيٍّ بَيْنَ الصَّدْرِ والعَجْزِ أو تماثُل عمودي يَضُمُّ عِدَّة أَبياتٍ تتكرَّرُ فيها الأنماطُ نَفْسُها.

(1) التنبيه على حدوث التصحيف: 175.

(2) الكتاب: 1/ 26 وينظر ضرائر الشِّعر: 13 والضرورة الشِّعرية: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت