فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 191

أتاحَ لهُ أَنْ يَستعملَ اللُّغَة بحرِّيةٍ فلا يتركُ طريقةً مِنْ طرائقها إِلا سَلَكَها، ولا يقفُ عند هذا الحَدِّ مِنَ الشَّائعِ المعروف مِن قوانين اللُّغَة بل يميلُ إلى استعمال الشاذّ أو النادر مِنْها أو يستعين بما أتاحه نحو اللهجات العربية القديمة فينهل مِنْهُ لبناء عبارَتهِ الشِّعريَّة.

إنَّ درايَتَهُ الواسِعَة بالقرآن الكريم جَعَلَتْهُ لا يكتفي باختيار مفردات قرآنية يوظِّفُها في شِعْرِهِ فحَسْب بل نَجِدُهُ يتأثَّر بأنماط مِن الصَّوْغ القرآني للعبارة أو الجُمَلة نحو كَثْرَة العطف أو البناء للمجهول أو بناء الجُمَلة الطويلة أو مَيْلهِ إلى التَّنويع في الجُمَلة بَيْنَ النَّفي والإِثبات أو الخبر والإنشاء وإلى أَنْ تتداخلَ الأساليبُ في شعرهِ بطريقةٍ تنمُّ عن وَعْيٍ عظيمٍ بقوانين اللُّغَة وأسرارها.

ومِمّا لا جِدالَ فيه أنَّ الشَّاعر يمتلك معرفة خِصْبَةً بالتُّراثِ الشِّعري السابق لعصره مكََّنَتْه مِنَ الاطمئنان إلى الكثير مِنَ الاستعمالات الَّتي قد يَظُنُّ البعض أنَّ الشَّاعر قد أخْطَأَ فيها أو خَرَجَ على قوانين اللُّغَة.

وَقَدْ نَبَّهَ علماءُ العربيَّة القدماءُ إلى أنَّ الشَّاعر هو الذي يتحكَّمُ في اللُّغَة ويسخِّرُها لما يريدُ التَّعْبير عنه فقال الخليل:"الشُّعراء أُمراءُ الكلام يُصَرّفُونَهُ أنّى شاءوا وجائِزٌ لَهُمْ مالا يجوزُ لِغيرِهِمْ" [1] .

فهم يولِّدونَ أنماطًا لُغَويّة تسمحُ بها طاقة اللُّغَة الواسعة [2] ، فضلًا عن ذلِكَ أدركوا أنَّ للشِّعر لُغَةً خاصَّةً وأنَّه يَقْتَحِم مجالات جديدة في اللُّغَة:"لما يتولَّد فيها مَرَّة بَعْدَ مَرَّة وإنّ المولِّدَ لها قرائحُ الشِّعراء الذينَ هُمْ أُمَراء الكلام بالضرورات الَّتي تَمُرُّ بهم في المضايق الَّتي يُدْفَعونَ إليهِا عند حَصْرِ المعاني الكثيرة في بيوت ضَيِّقة المساحة، والإعنات الذي يَلْحقّهُمْ عند إقامة القوافي الَّتي لامحيدَ لَهُمْ عن تنسيق الحروف المتشابهة في أواخرها فلا بُدَّ أَنْ يدفعهم استيفاء حُقُوق الصنعة إلى عَسْفِ اللُّغَة بفنون الحيلة، فمَرَّة يعسفونها بإِزالة أمثلة الأسماء والأفعال عَمّا جاءت عليه في الجِبِلّة لِما يُدْخِلُونَ مِنَ الحذف مِنْها أو"

(1) زهر الآداب للحصري: 3/ 687 تحـ زكي مبارك وينظر مِنْهاج البلغاء وسراج الأدباء لابن حازم القرطاجني: 143 - 144.

(2) تجليات في بنية الشِّعر المعاصر، محمد لطفي اليوسفي: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت