فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 191

وابذل غاية المقدر لان أكون منه بحيث يرى نفسه كأني أتطلع إلى خفايا أسراره الشِّعرية الدفينة" [1] ."

ومن مصادر ثرائه اللغوي انتفاعه من مظان اللغة كالمعاجم وكتب الأمثال والسيرة وغيرها فقد ذكر راويته الأستاذ عبد الكريم الدجيلي أن الجواهري كان:"يستنزف جميع الكلمات في القاموس للقافية" [2] ومن خلال تتبعي لمعاني بعض المفردات كثيرًا ما يتأكد لي أن الشَّاعر كان على صلة وثيقة بمعجم (القاموس المحيط) يستقي منه العديد من المفردات والاشتقاقات وألوان الجموع ليس في القافية وحدها بل في أثناء القصيدة وليس في ذلك غرابة لكونه على صلة حميمة بالمعجم وكتب اللغة الأخرى يختار منها ما يشاء ويضعه في إطار جديد يضفي عليه طرافةً وجدة.

وليس غريبًا أيضًا أنْ يستقي الشَّاعر ألفاظًا باتت حبيسة المعاجم وكتب الأدب ويضفي عليها الحياة ويبني عليها قصيدته فكانت بذلك مصدرًا مهمًا من مصادر ثرائه اللغوي الذي كان وراء امتداد القصيدة لديه فقد عزا الدكتور مهدي المخزومي طول النفس الذي يتميز به الجواهري إلى غزارة مفرداته وقدرته على الصوغ المحكم والانتقاء الفريد لقوافيه ومفرداته [3] .

والى جانب امتلاك الشَّاعر لهذه الثروة اللُغَوية الهائلة الَّتي سهلت عليه طول النفس الشِّعري نجده يمتلك قدرة عجيبة على تصريف هذا الزخم الهائل من الألفاظ في قنوات تعبيرية تكشف عن خبرة دقيقة بالتراكيب وبناء الجمل مما يجعل الشَّاعر ممسكًا زمام اللغة موجهًا إياه أنى يشاء، وما دام يمتلك قياد اللغة فلا تصعب عليه مسألة مَدِّ القصيدة بالقدر الذي يراه كافيًا للتعبير عن انفعالاته وأخيلته.

يعمد الجواهري في بعض الأحيان إلى مَدِّ الجملة على مساحة واسعة من القول فلا تأتي عناصرها متجاورة بل يباعد الشَّاعر بينها سواء باستعمال العطف أو تعدد النعوت، إن هذه الميزة لا تعني أن الشَّاعر لا يستعمل الجملة القصيرة بقدر ما تعني أنه يتخذ منها وسيلة لشحن العديد من الصور والانفعالات إلى أن يصلَ الشَّاعر إلى العنصر المكمل للجملة فتكون حينذاك جملة طويلة تكتنف جملًا قصيرة عديدة وسواء أكان الشَّاعر واعيًا بصنيعه هذا أم غير واعٍ فإنه يُسهم في نمو القصيدة وامتدادها.

(1) حلبة الادب: 3 ط، النجف 1965.

(2) الجواهري شاعر العربية: 1/ 45.

(3) الجواهري في جامعة الوصل: 25.

(4) على الرَّغم من ان بناء الجملة يدخل في مجال التركيب لكننا سنعرض له بالطريقة الَّتي تبين أثره في امتداد القصيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت