وهناك شواهد عدة على نزوع الشَّاعر إلى الجملة الطويلة في بعض الأحيان ففي قصيدة"أبو العلاء المعري" [1] ذكر المبتدأ وجعل يسترسل في القول باستعمال العطف وسيلة لذلك الاندفاع اللغوي إلى أن يَصِلَ إلى الخبر فقال:
وهؤلاءِ الدُّعاةُ العاكِفونَ على ... أوهامهمْ صَنَمًا يُهْدونَهُ القُرَبا
الحابطونَ حياةَ الناس قد مَسَخُوا ... ما سَنَّ شَرْعٌ وما بالفِطْرَةِ اكْتُسِبَا
والفاتلونَ عثانينًا مُهَرَّأَةً ... ساءَتْ لمُحْتَطِبٍ مَرْعىً ومُحتَطَبا
والمُلْصِقونَ بِعَرْشِ الله ما نَسَجَتْ ... أطماعُهُمْ: بِدَعَ الأهواءِ والرِّيبا ... ج
والحاكمون بما تُوحي مطامعُهُمْ ... مُؤوِّلين عليها الجِدَّ واللَعِبا ... ج
على الجُلُود من التَدْليس مَدْرَعَةٌ ... وفي العيون بريقٌ يخطُفُ الذَّهبا ... ج
ما كان أيُّ ضَلالٍ جالبًا أبدًا ... هذا الشّقاءُ الذي باسم الهُدى جُلِبا ... ج
أوسَعْتَهُمْ قارصاتِ النَّقْدِ لاذِعَةً ... وقُلْتَ فِيهِمْ مَقَالًا صادِقًا عَجَبا
"صاحَ الغرابُ وصاحَ الشَّيْخ ُ فالتبَسَتْ"
مسالِكُ الأمْرِ أيٌّ منهما نَعَبا""
فذكر المبتدأ (هؤلاء) أداة الإشارة للقريب ونوّعَ في المُشار اليه فأضفى على الاسم طاقة تعبيرية جديدة لتشير إلى أكثر من صنف من الأصناف البشرية المقيتة في آن واحد فتفرعت منها أيادٍ عدة لتشير إلى أنواع بشرية كان قد ذمها أبو العلاء لكنها ما تزال تعيش في عصرنا، فضخَّم اسم الإشارة واستند على العطف حتَّايصل إلى الخبر في الجملة الفعلية بعد سبعة أبيات من المبتدأ وهو قوله:
أوسعتهم ....
إنَّ هذه الطريقة في بناء الجملة قد يستعملها الشَّاعر للتنويع في الصور واستنفاد الطاقة الانفعالية لديه لكنها في حقيقة الأمر تُسهم في طول النفس الشِّعري لدى الشَّاعر وتجعل المتلقي أكثر انشدادًا إلى تتبُّع العنصر المكمِّل للجملة.
(1) الديوان: 3/ 88.