يتحقق أسلوب الأمر في العربية بوساطة فعل الأمر بأنماطه الشكلية جميعها تلك الَّتي تتكون من اللَّواحق الَّتي تتصل بالفعل كالضَّمائر مثلًا أو حينما يستند إلى المخاطب المفرد وكذلك بوساطة الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر أو بالمصدر النائب عن الفعل أو باستعمال أسم فعل الأمر أو بأسلوب الاستفهام والخبر الموظف توظيفًا مجازيًا يَدلُّ على الأمر.
وعلى الرَّغم من أنَّ هذه الوسائل الأمرية مُباحةٌ في العربية يختار الجواهري صورة فعل الأمر ويفضلها على غيرها إذ تتطلب صيغة المضارع المقرون باللام والمصدر النائب عن الفعل أنّ الفاعل فيهما يكون غائبًا أو متكلمًا بينما نجد أن صيغة فعل الأمر تتطلب مخاطبًا فضلًا عن أنها أيسر وأخفُّ على اللسان وأسرع في حَمْل المخاطب على الاستجابة.
وقد بنى الشَّاعر أكثر من قصيدة على فعل الأمر بوصفه منطلقًا للقصيدة كُلِّها أو ركيزة يعتمدها الشَّاعر ويتكيء عليها ويكررها أنىّ سنحت له فرصة القول، ففي قصيدة
"تنويمة الجياع" [1] أتخذ الفعل"نامي"صيغةً أمريةً تسلطت على القصيدة بأسْرِها ومثل ذلك في قصيدة"أَطْبِقْ دُجى" [2] إذ اتخذ من الفعل"أَطْبِقْ"ركيزة كررها في القصيدة تسعًا وثلاثين مرّةً.
ويوظف الشَّاعر فعل الأمر في القصيدة من خلال التنويع فيه وتعدده فيضخ في النص حشدًا كبيرًا من أفعال الأمر كما فعل في قصيدة"طَرْطَرا" [3] حتَّالو اضطره الأمر إلى ارتجال أفعال غير مسموعة غالبًا ما يقيسها على المسموع.
ويشكل اختيار الشَّاعر لصيغة الأمر سمة أسلوبية في العديد من قصائده منذ بداياته الأولى [4] يوظفها للتعبير عن معانٍ عدة كأن تكون للسخرية والتحريض كما في"تنويمة الجياع"أو"طرطرا"أو قصيدة"أيُّها الوحشُ أيُّها الاستعمار" [5] إذ يشكل فعل الأمْر وسيلةً للسخرية والتحريض في القصيدة بأسرها ابتداءً من المقطع الأول:
خَلِّ شِدْقَيْكَ يَمُصَّانِ دَمِي
ويَمُجَّانِ دَمًَا كالعَلَقِ
خَلِّ عيشي مُضْغَةً من عَلْقَمِ
خَلِّهِ نَهْبَ الطَّوى والقَلَقِ
(1) الديوان: 4/ 71.
(2) الديوان: 3/ 405.
(3) الديوان: 3/ 119.
(4) الديوان: 1/ 169، 315.
(5) نفسه: 4/ 53.