ويتنوَّعُ المخاطب بتنوِّع القرائن الَّتي تَدُلُّ عليه ففي قصيدة"أبو العلاء المعري"يخاطب الشَّاعر نفسه أو الحاضرين أو مجهولًا باستعمال الأمر في:"قِفْ وامْسَحْ واسْتَوْحِ وسائِلْ"لِيَجْلُبْ انتباه المخاطب ثُمَّ ينتقل لخطاب قَبْرِ المعري بالقول: [1]
يا بُرْجَ مَفْخَرَةِ الأجْداثِ لا تَهِنِي ... أَنْ لم تَكُونِي لأبراجِ السَّما قُطُبا!
ويخاطب أبا العلاء باستعمال الاستفهام وتاءِ الفاعل:
وهل تَبدّلتَ رُوحًا غيرَ لاغِبَةٍ ... أمْ ما تزال كأمسٍ تَشْتكي اللَّغَبا!؟
ويتحدَّث عَنْهُ بصورة الغائب:
على الحَصيرِ وكُوزُ الماءِ يَرْفِدُهُ ... وذِهْنُهُ ورُفُوفٌ تَحْمِل الكُتُبا
لكنَّ المخاطب موجود وهو جمهور المحتفلين بذكرى أبي العلاء المعرِّي الذي ينفعل لانفعالاته ويشاطره ويعجب بما يقول.
وذلك دَيْدَنُهُ في قصائده الَّتي يخاطبُ بها نفسه فهو يخاطِبُ الآخرين أو يخاطبُ مجهولًا على الرَّغم من وَفرة ضمائر المتكلم فيها فيفتتح قصيدة"المُحرِّقة" [2] ببيت يتضمَّن خمسة أفعال مضارعة مبدوءةً بهمزة المتكلم:
أحاولُ خَرْقًا في الحياة فما أجْرا ... وآسَفُ أنْ أمضي ولم أُبْقِ لي ذِكْرا
لكنَّ صورة المخاطب لا تغيب عن الشَّاعر حتَّالو تظاهر بإهماله.
وقال في قصيدة:"شباب يذوي" [3] .
ذوى شبابِيَ لم يَنْعَمْ بسَرَّاءِ ... كما ذَوى الغُصْنُ ممنوعًا عن الماء
إلى أنْ يلتفت إلى المخاطب فيقول:
فإن عجبتَ لشكوى شاعرِ طَرِبِ
طُوْلَ الليالي يُرى في زِيِّ بكَّاءٍ
فمهما أوهمنا الشَّاعر بوسائله اللُغَوية المتنوعة أنه يتحدث عن نَفْسهِ فإنه في حقيقة الأمر يضمر مخاطبًا يوجه الخطاب إليه عبر الضمائر أو عَبْرَ وسائل أسلوبية يتخذها سبيلًا للقولِ الشِّعري منها:
(1) الديوان: 3/ 83.
(2) الديوان: 2/ 85.
(3) الديوان: 2/ 91.