فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 191

سَمِّنْ الكَلْبَ على لَحْم الشُّعُوبْ ... واكسِهُ من عُرْيِها أبْهى حُلَلْ

واخْلع البُؤْس عليها والشُّحوبْ ... وأَسِلْ ذَوْبَ الأسى بَينَ المُقَلْ

وانْشُرْ الرُّعْبَ على كلِّ الدُّرُوبْ ... لا تُنِرْها بشُعاعٍ من أمَلْ

ويتكرُّرُ الأمْر في بعض القصائد بصحبة وسيلةٍ لُغَوِية أخرى تدلُّ على الخطابِيَّة والجهر كالنِّداءوالاستفهام والنهي وتتلاقح هذه الأساليب مجتمعةً لتبني القصيدة ففي قصيدة"ظلام" [1] يحشد الشَّاعر فعل الأمر في أكثر من مقطع من مقاطعها مصحوبًا بالنِّداءوالدُّعاء:

أقِمْ يا ظلامُ رواق الضباب

وشِدْ في فَيافيكَ سُود القباب

وغَطِّ السَّما بِجَناحَيْ عُقاب

ومُجْ حَنَقًا مُزْبِدًا كالعُباب

وجَرِّرْ على الأرْض ذَيْلَ السَّحاب

أقِمْ لا خِتامٌ ولا مَطْلَعُ

وخيِّمْ فلا نَجْمَةٌ تَلْمَعُ

ولا هَمْسَةٌ من فَمٍ تُسْمَعُ

فعلى الرَّغم من أنَّ المخاطب مظهرٌ مستعارٌ من مظاهر الطبيعة وهو"الظلام"يتَّخذُهُ الشَّاعر وسيلةً من وسائل التدمير للتعبير عن غيظه وحنقه على كلٍّ ما يمسُّ مظاهر الخير والجمال في الكون وتعبيرًا عن الأزمة الَّتي كان الشَّاعر يعيشها وهو سجين إثْرَ انتفاضة تشرين في عام 1952 [2] .

فالشَّاعر يكوِّن من فعل الأمر صورة من صور الانتقام والرُّعب تنسجم مع حالته في قصيدة"أَطْبِقْ دُجى"حين يتحول الظلام في المقطع المذكور إلى مخلوق أسطوري ينفثُ فيه الشَّاعر روح الانتقام والحنق قادر على التغلب على الطبيعة ومظاهرها ويعمد إلى إفنائها وتخريبها وصولًا إلى حالة اليأس الَّتي كانت تسيطر عليه وتنمي غيظهُ وثورتهُ.

ففي هذه القصيدة يرتدي ثوب إله ليأمر بتدمير الكون فتأتي أفعال الأمر الَّتي يتكرر منها الفعل"أَطْبِقْ" (39) مرة للتعبير عن السخط والغضب وهو يأمل امتلاك صفة الاله الغاضب اليائس من إصلاح ما فسد فيفرغ يأسه في طائفة من الأوامر لمختلف مظاهر الكون.

إِنَّ اختيار الشَّاعر لتركيب"أَطْبِقْ دُجى"ينم عن معرفته بعبارة"قُطُبْ جَدْ"الَّتي تشكل أصوات القَلْقَلة عند علماء العربية فتدل على الحركة والاضطراب فأعاد الشَّاعر بناءها بهذا

(1) نفسه: 4/ 141.

(2) الديوان: 4/ 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت