فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 191

الشكل متخذًا من أصواتها وسيلة لتغيير الواقع بشكل يستفز المتلقي ويدفعه للثورة لتغيير ما فسد، فبهذه الوسيلة عبّر الشَّاعر عن محطة يأس عميقة في حياته يصاحبها نوع من الخور والخذلان وانهيار القوى فانعكس ذلك في استعمال الفعل"أطبق"على شكل لعنات يرجم بها الشَّاعر كل شيء ويتوجه بالأمر إلى مظاهر عديدة هي الدَّجى والضَّباب والسَّحاب والدُّخان والعذاب والدَّمار والتَّباب، ويتلاقح الأمر والنِّداءمعًا لتنتقم هذه جميعها انتقامًا مبرِّحًا ليس من السلطة ورجالها بل من الفئاتِ كلها فيتحول العالم إلى خراب ينعبُ فيه الغُراب.

وعلى الرَّغم من استعمال فعل الأمر وسيلةً للتَّحريض في بعض قصائده

الوطنية وجدنا الفعل في هذه القصيدة يتحول إلى آلة دمار تساندها أفعال أمرية أخرى فالشَّاعر لم يكن غرضه التحريض بقدر ما كان يصب مجموعة من اللعنات ليحافظ على توازنه النفسي ويعوِّض عن شعوره باليأس والخِذلان.

وقد أفلح الشَّاعر في الانتفاع من طائفة من الألفاظ القرآنية مستفيدًا من دلالتها فيه منها مثلًا:

سحاب ودخان وعذاب وتباب وعقاب وجزاء وغيرها فقد جاء في قوله تعالى:

(وَلَهُم عَذابُ الحَريق) (البروج/10) .

فقال الشَّاعر:

أَطْبِقْ دُخانُ مِنَ الضَّمير ... مُحَرِّقًا أَطْبِقْ عَذابُ

ويضاف إلى ذلك انَّ الألفاظ القرآنية الَّتي اتخذها الشَّاعر أدواتٍ لبناء جملته الشِّعرية تتصل بصور قرآنية عديدة تعكس عقابًا صارمًا بحق الخارجين عن طاعة الله سبحانه كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الفيل فقال تعالى:

(وأرْسَلَ عَلَيهم طَيْرًا أبابيل. تَرْميهِم بِحِجارَة من سِجيل. فَجَعلَهُم كعَصْفٍ مَأكُول)

(الفيل/ 5,4,3) .

إنَّ القرآن حافل بصور السخط الإلهي الذي انصبَّ على الأقوام الكافرة الَّتي خذلت الأنبياء والرسل وكذّبتهم ولا شك في أنَّ الشَّاعر يستحضر هذه الصور في ذهنه وهو يصب لعناته المحرقة لكن على الناس جميعهم.

ان هذه القصيدة تصطخب بألفاظ تدلّ على حنق الشَّاعر وثورته من خلال دلالتها بوصفها مصدر أذى وإزعاج للبشر نحو: الدجى والضباب والجهام (السحاب الذي لا ماء فيه) والدخان والدمار والقبور والبوم والذباب والصديد والديدان والغراب واختارها الشَّاعر للتعبير عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت