سخطه واشمئزازه من حالة الركون والظلم السائدين آنذاك وهو بذلك يعبِّر عن نفس جيّاشة بالانفعالات ميالة إلى الحدة وتنزع إلى محاورة الأشياء أيانَ تسنح له فرصة القول الشِّعري.
ويبني الشَّاعر قصيدةً أُخرى من قصائده على فعل الأمر فيتخذ من الفعل"نامي"ركيزةً لقصيدته"تنويمة الجياع"فقال:
نامِي جِياعَ الشَّعْبِ نامي ... حَرَسَتْكِ آلهةُ الطَّعام
ويتكرر هذا الفعل (59) مرّةً في القصيدة يخاطب به جياع الشعب بأسلوبٍ ساخر يهدف إلى التحريض والثَّورة ويفقد الفعل دلالته الحقيقية إلى دلالة مجازية مناقضة تمامًا لها.
إن هذا التكرار قد يجنح بالشَّاعر إلى السُّقوط أو الضعف لكنَّ قدرته الخارقة على التَّخيُّل وتوليد الصور وبراعته اللُغَوية الفذة تجعله يمتلك على المتلقي حواسَّه كلها في خِضَّم هذا التراكم الصوري ويرتفع به عن السقوط والاسفاف.
واستفاد من وسيلة تكرار الفعل بوصفها أداةً سحريةً يخضع المخاطب اليها ويستجيب لها ذلك لأنَّ الشَّاعر يستحضر في ذهنه هَدْهَدَة الطفل لينام، هذه الصورة الشائعة في مناجاة الأم لوليدها تحثُّه على النوم في لحن عَذْبِ يستذكره الشَّاعر ويعرف تأثيره من خلال دلالة الفعل في اللهجة الدارجة: (نام يا وليدي نام. . .) وما لذلك من سِحْرٍ على الوليد، وما من شك في أَنَّ الشَّاعر يستلهم بعض ما جاء في قصيدة الرصافي:
ناموا ولا تَستيقظوا ... ما فازَ إِلاّ النُّوَّمُ
إِنَّ أمر الشَّاعر لا يأتي على حقيقته ذلك لأنه يتوخى استجابة مغايرة تمامًا وهذا النهج يتكرر لدى الشَّاعر في قصيدة"ما تشاءون" [1] فهو يتوجه بالخطاب إلى السلطة الحاكمة وحاشيتها فيستعمل الأمر ليس على حقيقته بل بأسلوب ساخر يهدف إلى رَدْعِ السلطة وإيقافها عن التوغّل في غيّها من جهة ومن جهة أخرى لتأليب الجماهير ودفعها للثورة والانتقام. واختار الشَّاعر هذا التركيب (ما تشاءون) وهو على يقين بأن ما الموصولة ستمتد إلى العديد من مظاهر الفساد الشائعة آنذاك وصاغه بطريقة لاذعة ليكون ذا وقع شديد على السلطة وكرره مفتاحًا لمقاطع عدة من القصيدة، وفي الوقت الذي يتقمَّصُ الشَّاعر صورة الناصح المرشد لكنه في حقيقته يسعى لتحيّن الفرصة ليطبق على رقاب السلطة وهو في دخيلته ساخر يحرض أعداء السلطة ويغريهم بها.
وقد تبيَّن من البحث أَنَّ الشَّاعر في العديد من قصائده الوطنية [2] يتوَّجه بالأمر وكأَنَّه قائِدٌ يمتلك خبرةً في الكفاح ولا سيما في مرحلة الأربعينيّات والخمسينيّات وتكاد هذه النبرة تسود
(1) الديوان: 4/ 127.
(2) الديوان: 3/ 164، 291، 292.