فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 191

فرصة أنشاء القصيدة في مدد زمنية متباعدة. والجواهري ميّالٌ بِطَبْعهِ إلى أنْ ينظر للأشياء من جميع جهاتها ويحزّ في نفسه أنْ يترك جانبًا من تلك الجوانب من غير وصفٍ واستغراق وإحاطة.

إنَّ ظاهرة التقسيم هذه موجودة في قصائده الطويلة والقصيرة على حَدٍّ سواء وذلك ما يسعف ما ذكرناه من إن الشَّاعر ينحو إلى تجزئة الفكرة وتنويعها ولو أراد أن تتحول قصائده القصيرة إلى قصائد طويلة لفعل فقد صرّح في حوارٍ اجري معه إن الجزء السابع من ديوانه ضَمَّ عشرين قطعة كان من الممكن أن تكون كلّ قطعة قصيدة طويلة [1] .

وتبين من جرد قصائد الشَّاعر الطويلة إن القصيدة كلما امتدّت زاد عدد مقاطعها سواء أكانت القصيدة مبنية على نظام القافية الواحدة أم على نظام تعدد القوافي.

ومن قصائده الَّتي خضعت للإحصاء"المقصورة"الَّتي ثَبَّتََ منها سبعةً وثلاثين ومائتي بيت قسَّمها على تسعة عشر مقطعًا، و"تنويمة الجياع"المؤلفة من اثنين ومائة بيت قسَّمها إلى عشرة مقاطع وقصيدة"افروديت"المؤلفة من مائة بيت قسمها إلى أربعة عشر مقطعًا.

إِنَّ هذه الطريقة في عملية الخَلْقِ الشِّعري تتيح للشاعر فرصة اكبر في امتداد القول إلى أقصى ما يريد، وتجعله حرًا في اختيار الزاوية الَّتي ينطلق منها وتترك له حرية اختتام القصيدة أنّى يشاء.

وينبغي أنْ نشير إلى أنَّ الشَّاعر قد حرص في قصيدته"يا نديمي"على أنْ تكون مقاطعها متساوية من حيث عدد الأبيات على الرَّغم من أنه لم يلتزم قافية واحدة في القصيدة بأسرها فقد وقعت في أربعة وعشرين واربعمئة بيت قسمها على سبعة ومائة مقطع [2] ، وظهر أنَّ الشَّاعر التزم ذلك التزامًا اتاح له مجالًا رحبًا لان يستنفدَ صورًا عديدة من صور المناجاة الَّتي عقدها الشَّاعر مع نفسه أو نديمهِ وكان بإمكانه أن يَمُدَّ القصيدة أكثر بسبب من بنائها المفتوح.

إنَّ هذا النوع من البناء الشِّعري يشبه إلى حَدٍّ بعيد نظام حلقات الحلزون (2) ، الَّتي تتصل عبر دوائر غير مكتملة وهذا اللون من البناء يشمل شعر الجواهري جُلَّه فالشَّاعر يرغمنا على التَلَقِّي عبر هذه الدوائر غير المكتملة الَّتي تتصل بما قبلها وما بعدها بشكل قريب من حلقات

(1) الديوان: 7/ 17.

(2) الديوان: 5/ 119.

(2) الشِّعر العربي المعاصر: 261 وعدّ الدكتور عز الدين اسماعيل هذا البناء شكلًا من أشكال القصيدة الحُرّة لكنني أجده ينسجم تمامًا مع بناء القصيدة عند الجواهري.

(3) الشِّعراء نقادًا:187.

(4) من مقال"موسيقى الشِّعر"في ضمن قضية الشِّعر الجديد، الدكتور محمد النويهي:20 ـ 21.

(5) محمد مهدي الجواهري، دراسات نقدية: مقال سليم طه التكريتي"الجواهري صحفيًا": 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت