فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 191

الحلزون وذلك معناه أننا لا نستطيع أن نحذف أي مقطع من مقاطع قصيدته من غير أن نترك أثرًا يوحي بخللٍ في بناء القصيدة، فالصلة بين مقاطع القصيدة قائمة بغضِّ النظر عن طول المقطع أو قصره.

إنَّ تفكير الجواهري يسعى إلى الشمول دائمًا لكنَّه في الوقت عينه يُعنى بالجزئِيّات فيقوم بِمَدِّ القَوْل في جوانب مختلفة تَتَّصِلُ فيما بينها عبر وسائل الشَّاعر اللُغَوِيَّة والفنِيَّة لتؤكِّدَ النَّظَرْة الشُّموليّة الَّتي تستغرق موضوع القصيدة.

ويتيح توزيع القصيدة إلى مقاطع مجالًا للشاعر ليوزع تدفقه اللغوي عبر قنوات مختلفة تعبر عن عظم التأجج العاطفي (3) ، الذي يتفاعل في نفس الشَّاعر ويستعر من غير أن تخمد جذوته ويتصل بقدر من الوعي الذي يقود ذلك الانفعال.

ويرى (ت. س إليوت) أن القصيدة الطويلة ينبغي"أن يكون فيها صُعودٌ وهُبوطٌ في درجتها من الحدة حتَّاتطابق ما يحدث فعلًا للعاطفة الإنسانية من تراوح بين الصعود والهبوط وبهذا التراوح تتم الوحدة الموسيقية لبناء القصيدة الكلي وفي تلك الفترات الَّتي تهبط فيها العاطفة وتهبط فيها الموسيقى الشِّعرية ستكون شبيهةً بالنثر. . ."

ومن هنا نستطيع أنْ نقول إِنَّ الشَّاعر الذي ينظم قصيدة طويلة لا يستطيع أَنْ ينجح إِلاّ إذا أتقنَ لغة النثر بالإِضافة إلى إتقانهِ لغة الشِّعر" (4) ."

إِنَّ رأي إليوت يُعبِّرُ عن وجهة نظر ذاتية لكنَّه يرتبط بناحية مُهِمَّة يتميز بها الجواهري وهي قدرته على إتقان لغة النثر والشواهد على ذلك كثيرة منها: عمله في الصحافة لمدة تزيد على الثلاثين عامًا (5) ، وحِرْصُهُ على أنْ تأتي مقالاته موسومةً بطابع أدَبيٍّ فَضْلًا عن مقدمات دواوينه نحو:"على قارعة الطريق"، لكنَّ الذي يمتاز به الجواهري هو أَنَّ بناء القصيدة الموسيقي يأتي في أغلب الأحيان واحدًا ولا ينحدر الشَّاعر إلى النثرية لِكَوْنِهِ مشبوب العاطفة وصاحب انفعالٍ حادٍّ في معظم قصائده الطويلة ولقدرته على التنويع في الصور وسيطرته على آلِيّات اللُّغة كُلِّها فلا يتهافت ولا يضعف مَهْما أمْتَدَّت القصيدة.

إنَّ غزارة المضامين الَّتي عكسها شعر الجواهري فرضت على الشَّاعر نفسه أن يمد القول، وقد نبه الخليل بن احمد ـ رحمه الله ـ إلى صلة طول القصيدة بمضمونها ومناسبتها فقال:"الطوال للمواقف المشهورات" [1] ، فقد عبر شعر الجواهري عن أحداث مهمة ارتبطت بحركة التغيير في المجتمع العراقي والعربي والإنساني ولم يكن الشَّاعر بعيدًا عنها فكونت لديه مضامين خصبة اتاحت له فرصة امتداد القصيدة بشكل فاق معظم شعراء المطولات في الشِّعر العربي.

(1) العمدة: 1/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت