وَتَراكَضَتْ فيه تَجُو ... لُ كما اشْتَهَتْ خَيْلُ المُغِير
فقد أسَّسَ الشَّاعر ثلاثة أبيات على مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ اعْتَمدَ التفصيلَ في الفِعْل
"مُضَمِّخًا"فجاءت ثلاثُة أبياتٍ مصدَّرة بِجَمْعِ المؤنث السالم ثُمَّ كَسَرَ الشَّاعر هذا النَّمَط [1] بوساطة"إِذا"الشَّرْطية ليدخلَ إلى نَمَط قَوْلي آخَر مبدوء بأربعة أسماء هي محاور أربعة أبيات وهي: (الجور والسَّوْط والوعي والذُّل) تلحقّها أفعال مضارعة مُتَماثِلة صَرْفّيًا هي
(يَخْطُف ويأكل ويدفع ويعصف) وحَرَصَ الشَّاعر على تماثلها الصرفي والزماني لدلالتها على دوام صُوَر القهر والظُّلْم واستمرارها ثُمَّ ينتقل إلى نَمَطٍ قَوْلي آخر مَبْني على أفعال ماضية لَحقتها تاءُ التَّأنيث في (زَلَّتْ وتَرَنَّحَتْ وتَرَاكَضَتْ) .
إنَّ قُدْرَة الشَّاعر على توليد أََنْماطٍ لُغَوية والإنتقال مِنْ نَمَطٍ إلى نَمَطٍ آخر أمْرٌ لا يُتاحُ لأيِّ شاعر لكِنَّها مهارةٌ تَتطلَّبُ خِبْرَةً وافِيَةً في استعمال اللُّغَة وَقُدْرةً على التَّنْويعِ في الصُّوَر بِما يُتيحُهُ خيالَ الشَّاعر الخِصْب الذي لا يعرف الحدود.
إنَّ سَعْيَ الشَّاعر إلى هذِهِ الأنماط المتماثلة دليلُ ضَعْفٍ عِنْدَ غَير الجواهري ذلِكَ لأنَّهُ يرقى بهذا الضعف إلى رُتْبَةٍ تَليقُ بشاعريَّتِهِ مِنْ خِلال ثَراءٍ في الأَفْكار واللُّغَة والخيال وبدون هذِهِ الصفات فان النَّصِّ الشِّعري لا يقوى على التَّماسُك والارتفاع عن السقوط [2] ، كذلِكَ يبدو أنَّ سَعْيَ الشَّاعر لتَقَصّي عَناصِر الفكرة يَتُمُّ مِنْ خلال التنويع في الصُّوَر وأنَّ لُغَتَهُ الخِصْبَة وخَيالَهُ المُتَدَفِّقُ يَرفعان هذِهِ النماذج مِنَ السُّقوط أو التَّهافت.
لقد حافَظَ الجواهري على هذِهِ الطَّريقة طَوالَ حَياتِهِ الشِّعرية عَبْرَ تَكرارِها في قصائدِه لكِنَّهُ في جانبٍ آخَرَ يميلُ إلى تنويع مُنْطَلَقاتِهِ اللُغَوية وبذلِكَ يُحقّقُ لِقَصِيدَتِهِ بِناءً مُحْكَمًا [3] .
(1) ذلِكَ صنيع الشَّاعر في العديد مِنْ قصائده ينظر الديوان: 5/ 169.
(2) الاتجاه الوجداني في الشِّعر العربي الحديث، الدكتور عبد القادر القط: 395.
(3) البنيات الأسلوبية، السعدني: 30.