حمر الخدود"فجاءت متماثِلَةً في بِنائِها مِمّا يَجْعَلُ الموسيقى تطفَحُ على السَّطْح."
إنَّ التَّماثُلَ في الصِّيَغِ والتَّراكيب يتبعُ مَيْلَ الشَّاعر إلى رَسْمِ صُورَةٍ مُتَناقِضَةٍ عن نَماذِجَ بَشَرِيّة تنافرَتْ أحوالُها وطبائِعُها:
مكرِّش: مُصَعْلِك
لواهب: شواحب
مُكافَأون على الجرائم: مزاملو قَعْر السُّجون
والشَّاعر يهدف مِنْ هذا البناء إلى التركيز على موقف انفعالي مُعَيَّن ومِنْ ثُمَّ تصويره بدقةٍ مُتناهيةٍ فهو مَعْنِيُّ بإظهار صُوَر الاستغلال والتَّرف والظُّلم تقابِلُها صُوَر القَهْرُ والجوع والمعاناة وإظهار البَوْن الشَّاسع بَيْنَ حياتين يعيشها نموذجانِ مِنَ الشَّعب أحدهما يَقْبَعُ في ظِلّ شَجَرَةِ السُّلْطة الوارفة والآخر يَتَلوّى جُوعًا في الهجير.
ويلجأ الشَّاعر إلى هذِهِ الظاهرة أََعْني بها ظاهرَة التَّوازن العَمودي في بناء الجُمَلة الشِّعرية في كثيرٍ مِنَ الأحيان وعلى امتداد حياته الشِّعرية الطويلة لكِنَّ ذلِكَ لا يعني أنَّ الشَّاعر يحافِظُ على هذِهِ الظاهرة في كل قصيدة أو أنها تأتي واحدة في القصيدة فالثابت أن الشَّاعر مغرمٌ بتنويع أنْماط القَوْل الَّتي يُؤسِّسها على مُنْطَلَق واحد ثُمَّ يَكْسِرُ هذا النَّمَط لِيَخْرُجَ إلى مُنْطَلَقاتٍ قَوْليةٍ مُتَباينة يَعودُ بَعْدَها إلى حالة التَّماثُل وهكذا.
ويُفَصِّلُ الجواهري في جُمْلَة مَقُولِ القَول عَبْرَ أبْنِيَةٍ تَتَماثَلُ فيها صدورُ الأبيات تماثُلًا عمودِيًّا مَبْنِيًَا على"ما"الاستفهامية المسبوقة بحرف الجر في أربعة أبيات تعقبها ثلاثة أبيات تتماثل صدورها تماثُلًا نَحويًا تامًّا فقال في قصيدة"عبد الحميد كرامي" [1] :
قُلْنا لَهُمْ: ِفيمَ اللَّجاجَةُ والسَّما ... تُعطي وتَمْنَعُ والقضا غَدّارُ؟
وعلى مَ يَشتَطُّ الممثِّلُ مِنْكمُ ... رفْقًَا بساعةَ تُرفَعُ الأسْتارُ؟
وعلى مَ يوغِلُ في الحماسةِ راقِصٌ ... بأشدَّ مِمّا ينفُخُ الزَّمّارُ؟
(1) الديوان: 4/ 50.