والآنَ تَفْتََقِدُ البلادُ مُحنَّكًا ... يُحْتاجُ في التَّنفيذِ والتَّشْريع
والآنَ تَلْتَمِسُ العيونُ فلا تَرى ... أَثَرًا لوجهٍ رائِعٍ ومُريع
فبنى الشَّاعر أربعة أبيات على الابتداء بالظَّرف"الآن"تَعْقُبُه جُمَلٌ فِعْلِيَّةٌ فِعْلُها مضارعٌ فهو يَنْطَلِقُ في تأسيس أبياته مِنْ مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ يَرْشَحُهُ ذِهْن الشَّاعر ويستسيغُهُ ويوظِّفُهُ لِقَصْد استكمال أوْجه الفكرة الَّتي يريد إيصالها.
إنَّ الانطلاق مِنْ مُنْطَلَق قَوْلي واحدٍ أَسْهَلُ على الشَّاعر مِنْ أَنْ يُنَوِّع في تعابيره فالقالب النَّحْوِي والصَّرْفي في مُعْظَم الأحيان يكون جاهزًا وفي مُتَناوَلِ الشَّاعر فلا يُتْعِب ذِهْنَهُ في البحث عن صورة قَوْلية جديدة. إنَّ الشَّاعر لا يتفرَّدُ بهذِهِ الظاهرة فهي موجودة لدى غيره مِنْ شعراء العربية سواء في عصورهم القديمة أم في العصر الحديث [1] دُرِسَتْ بوصفِها َمظْهَرًا مِنْ مظاهر التَّكرار في الشِّعر ولا سِيّما التَّكرار اللَّفظي لكِنَّ الجواهري يلتزمُ بها في مراحل حياته الشِّعرية كلِّها فقال في قصيدة"دمُ الشَّهيد" [2] :
فلَيْتَ الحزنَ تُطْبِقُ فوق سالٍ ... سحابتُهُ وتأبى الإنقشاعا
ولَيْتَ الليلَ يغمرُهُ دخانًا ... ولَيْتَ الصبحَ يُمطرُه الَّتياعا
ولَيْتَ مُنْىً يراودُها فِجارًا ... تعاودُه لتنهشَه ضِباعا
ولَيْتَ ضميرَه يَثِبُ افتزاعًا ... مِنَ الذِّكرى وينتفضُ التذاعا
ولَيْتَ العارَ يبرحُ مستضيفًا ... سريرتَهُ اصطيافًا وارتباعا ... جج ... ج
ولَيْتَ أمامَ عينيهِ احتراقًا ... جرى كالشَّمْعِ حاضرُه وماعا
ولَيْتَ خيالَ ماضيه مَسِيخًا ... يلوحُ على ملامِحِه انطباعا
(1) ينظر لغة الشِّعر عند المعري للدكتور زهير زاهد: 88.
ودرس هذِهِ الظاهرة في شعر احمد شوقي الدكتور صلاح فضل وسماها بـ"التدويم"الذي يتمثل"بتكرار مجموعة مِنْ الأنماط النَّحْوِية لا بكلماتها ذاتها وإنما بتراكيبها المميزة مِمّا يجعلنا نستشعر شيئًا مِنْ الألفة الناجمة عن تكرار النموذج النَّحْوِي وإشباع ما نتوقع مِنْ إيقاعات"ينظر، إنتاج الدلالة الأدبية: 289.
(2) الديوان: 3/ 295.