فلو تَتَّبَعْنا صُدورَ الأبيات وأعجازِها لَوَجَدْنا تماثُلًا في بناء الجُملة مِنْ حيثُ مُكَوِّناتُها النَّحْوِية والصَّرْفَّية وسَنَكْتَفِي بتحليلِ البيت الأَولَّ لنتبَيَّنَ ذلِكَ على النَّحْوِ الآتي:
جَرْداءُ ... َوهْوَ ... يَضِجُّ ... مَلْعَبُهُ
ظَلْمَاءُ ... وَهْوَ ... يُشَبُّ ... مَوَْقِدُهُ
خبر لمبتدأ محذوف ... الواو حالية ... فعل مضارع ... فاعل مضاف
تقديره (هي) ... والضَّمير مبتدأ ... مرفوع ... إلى ضمير الغائب
فَيَتَماثَلُ بِناءُ الصَّدر والعجز مِنَ النَّاحية النَّحْوِيَّة، أَمَّا التماثُل الصَّرْفي فيقومُ مِنْ خِلال تماثُل
(جرداء) و (ظلماء) فكِلْتاهُما على وزن (فعلاء) ويتماثل الفِعْل المُضارِع (يضج) والفِعْل (يشبّ) فهما مُشْتَقَّانِ مِنْ فعليْنِ ماضيينِ مُضَعَّفَيْنِ هُمَا: ضَجَّ وشَبَّ فضلًا عن تماثل اسمَي المكان (مَلْعَب) و (مَوَْقِدِ) في عدد الحروف والسَكَنات بِغَضِّ النظر عن اختلاف في فَتْح العَيْن وكَسْرِ القاف، كما تكرَّرَت واو الحال بِصُحْبَة ضمير المفرد الغائب في الصَّدْر والعجز.
إنَّ التماثلَ النَّحْوِيَّ والصَّرْفيَّ يُسْهِمُ في إِغْناء الموسيقى في القصيدة على الرَّغم مِنْ أنَّهُ وسيلةٌ سَهْلَةٌ بإِمكان الشَّاعر أن يُكْثِرَ مِنْها لكِنَّ براعتَه تقوم على توظيف هذا المِنْحى في القصيدة ليقوم بوظيفة تشبه وظيفة الدور في المُوَشَّح على حَسْب توزيعه لهذِهِ الأبيات في القصيدة مضيفًا إليهِا عنصرًا جديدًا مِنْ عناصر الموسيقى الشِّعرية.
وَقَدْ بَرَزَتْ في شعر الجواهري ظاهرةُ التَّوازن في بناء العبارة ولا سيّما في صدور عِدَّة أبياتٍ متعاقبةٍ فيأتي البناء النَّحْوِي بناءً واحدًا فقال في قصيدة"لُعْبَة التَّجارِب" [1] :
فكانَ لِزامًا أَنْ تَحُوزَ
(1) الديوان: 2/ 237 - 238.