فاتخذ من بطون الغيب مُحاورًا يسأل الشَّاعر والشَّاعر لا يملك أن يجيب عن أسئلته المتوالية لدهشته إمعانًا من الشَّاعر في تحقيق غرضه الأساسي من الاستفهام وهو الإنكار والسخرية.
ولا يكاد يترك للاستفهام غرضًا مجازيًا إلا استعمله فجاء لقصد التعجب في خطابه سواستبول المدينة الروسية الَّتي صمدت بوجه جيوش الألمان [1] :
يا"سواسبول"سقاك الدمُ يزكو لا الغمامُ
أعلى الذبح استباقٌ؟ أعلى الموت ازدحامُ؟
أيُّ سوقٌ لمبارا ... ةِ اللَّذاذاتِ تُقامُ؟
الرّدى والمجدُ والأشلاءُ والصُلْبُ رُكامُ؟
ويأتي لقصد التعبير عن الحيرة والشك في قصيدة أبي العلاء المعري [2] :
والمُلهَمَ الحائرَ الجبّارَ هل وصلت
كفُّ الرَّدى بحياةٍ بعدَه سببا؟
وهل تبدَّلْتَ روحًا غيرَ لاغبةٍ
أم ما تزالُ كأمسٍ تشتكي اللَّغبا؟
وهل تخبّرتَ أنْ لم يَأْلُ مُنطَلِقٌ
مِنْ حِرِّ رأيِكَ يطوي بعدك الحِقَبا؟
أم أنت لا حِقَبًا تدري ولا مِقةً
ولا اجتواءً ولا بُرْءًا ولا وصبا؟
وهل تُصحّحَ في عُقْباك مُقتَرَحٌ
ممَّا تفكّرتَ أو حَدّثْتَ أو كُتِبا؟
نَوِّرْ لنا إنَّنا في أيِّ مُدّلَجٍ
ممَّا تَشَكَّكْتَ إن صِدْقًا وإنْ كَذِبا
فبنى جملًا استفهاميةً عدة على استعمال"هل"بصحبة"أم"الَّتي هدف الشَّاعر بهما إلى تنويع صور الشك عند أبي العلاء وميله للاشتراك معه في شَكِّه وحيرته.
ويَلَجأُ الجواهري إلى استعمال"أم"بمعنى الإضراب بطريقة لافتة يكرِّرُ فيها"أم"بهذا المعنى وذلك ينسجم وميله إلى استعمال الأبنية المتماثلة في شعره بقصد التنويع في الصور فقال في قصيدة"خبت للشعر أنفاس" [3] :
(1) الديوان: 3/ 33.
(2) نفسه: 3/ 83.
(3) الديوان: 4/ 171.