وتأتي قوة الانفعال لتآزر الأمر والاستفهام بما يؤجِّجُ غضب الجماهير ويحثها بوسائل بارعة وظَّفَ لها الفعل"تَقَحَّمْ"وجملة الدعاء ـ لعنت ـ فضلًا عن التنويع في أدوات الاستفهام بما يثري بناء التركيب عبر تنويع الصور.
ويتخذ من الاستفهام طريقة للتعبير عن استهجانه ولازمة أو ركيزة يبني عليها القصيدة بأسْرها كما فعل في قصيدة"الناقدون" [1] :
متى رُحْتَ تَنْزِعُ عن مُبْدِعٍ ... أكاليلَ إبْداعهِ الخالد
لَتضْفِرَ منها بكَفِّ النِّفاقِ ... تاجًا على فارغٍ جامد
ويكرر"متى رحت"في سبعة مقاطع من القصيدة من أجل التعبير عن الاستهجان المشوب بالسخرية والسخط من جهة ومن جهة أخرى وسيلة للاعتداد بالنفس وتنزيهها والارتفاع بها إلى مقامٍ سامٍ رفيع، فالشَّاعر يعبّر عن انفعال حاد وغضب يصرفه عبر الاستفهام بـ"متى"الَّتي خرج بها الشَّاعر عن دلالتها عن الزمان فحسب لتكون وسيلة للردع وفتح قنوات من الغضب يصبّها الشَّاعر على منتقديه وأعدائه.
ويلجأ إلى توليد الجملة الاستفهامية على ألسنة آخرين ويترك الاستفهام يتحقق في الظاهر عبر الفعل"سأل"ومشتقاته والفعل"حدِّث"و"تروي" [2] وغيرها لكن الاستفهام يصنعه الشَّاعر ليمدّ في القول فكأنه يفتعل الاستفهام افتعالًا لقصد عقد محاورة بين الشَّاعر والمخاطب وهذا النهج ينسجم مع نفس الجواهري التواقة إلى إشراك الآخرين فيما يفكر ويتخيل.
قال في قصيدة"النّباشون" [3] :
وإذا بطونُ الغيبِ تسألُني ... ما لستُ أملك رَدَّهُ دَهْشا:
أفموطنٌ فيه يَعاسِبَةٌ ... كأولاءِ كيف بطاحُه تُغْشى؟
وعرينُهُ كيف استُبيحَ حِمىً ... للواغِلاتِ تَلذّه فرْشا؟
لِمَ لَمْ يُذدْ عن حوْضه حَنِقًا ... لِمَ لَمْ يَزَعْ عن عِرضه وَحْشا؟
ولِمَ استبدَّ الفَقرُ يقضُمُها ... ويَحُشُّها بنيوبه حَشّا؟
ولِمَ ابتنى جَهلٌ ومَسْكَنةٌ ... مثلَ الغرابِ فُويقَها عُشّا؟
لِمَ لَمْ يُثبِّتْ أمَّةٌ خفقتْ ... خَللَ الرياحِ كريشةٍ رعشا؟
(1) نفسه: 4/ 281.
(2) ينظر مثلًا الديوان: 3/ 54، 85، 86، 143، 321، 331، 398، 5/ 289، 6/ 188.
(3) الديوان: 4/ 246.