فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 191

يا دجِلة الخيْر: يا أَطياف ساحرةٍ ... يا خَمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُرْجون

يا سكتةَ الموتِ، يا إعصارَ زوْبعةٍ ... يا خنْجرَ الغدرِ يا أغصانَ زيتون

يا أمَّ بغداد من ظَرْفٍ ومن غَنَجٍ ... مشى التبغددُ حتى في الدَّهاقين

يا أمَّ تلك التي من أَلف ليلتها ... للآنَ يَعبِقُ عِطرٌ في التَّلاحين

يا مُستَجَمَّ"النواسيّ"الذي لبست ... به الحضارةُ ثوبًا وشْيَ"هارونِ"

فالشَّاعر يبني صورته على استعمال نداء الصفة بدلًا من تكرار المنادى الحقيقي فيتحول النِّداءإلى أداة تتنوع بوساطتها الصورة الشِّعرية فلا يترك الشَّاعر منها شيئًا يخل بأقطار الصورة إلا أحاط به، وقد يخطر للذهن انه يقصد إلى ذلك قصدًا فلا يترك مجالًا لخيال المتلقي ليسعى إلى اكتشاف الصورة الشِّعرية عبر التأمل وإعمال الذهن لكن الشَّاعر عبر تنويعه في عناصر الصورة يغذّ السير بخيال المتلقي لينطلق المتلقي لالتقاط الصورة قبل أن يصطدم بصورة أعمق منها فيضطره للتوقف ليتأمل في كل صفة من الصفات الَّتي يزج بها في النص.

وجاء المنادى في هذه الأبيات مركبًا من المضاف والمضاف إليه:

أعطاف ساحرة، خمر خابية، سكتة الموت، إعصار زوبعة، خنجر الغدر، أغصان زيتون، أم بغداد، أم تلك الَّتي. . . مستجم النواسي. . .

إن هذه التراكيب تُسهم في خلق مجموعة من الصور لا يمكنُ أن نعثر عليها في الحقيقة إلا بعد بصر وإمعان نظر وتأمل ولا يمكن أن تأتي من صورة المنادى إذا كان مفردًا أو نكرة مخصوصة ولكنها يمكن أن تتكون من المنادى إذا كان بصورة المضاف والشبيه بالمضاف لانهما يعتمدان على ما بعدهما ليكتمل معناهما أو المنادى إذا كان بصورة النكرة غير المقصودة لما فيها من تعميم وشمول بعكس النكرة المقصودة الَّتي تنحو إلى التخصيص.

ويحرص الشَّاعر على المناوبة بين الصور التركيبية للمنادى فمرة يختار صورة المنادى المضاف ومرة أخرى يختار صورة المنادى الشبيه بالمضاف وهو في ذلك كله يسير في نهجه في نداء الصفات ويتخذ منها وسيلةً للثَّناء والمدح كما فعل في قصيدة"يا أبا ناظم" [1] حين قال وهو يعني محمد صالح بحر العلوم الشَّاعر:

يا ربيبَ السُّجون لا المتبَنِّى ... عَقَّ مَنْ رَبَّهُ ولا المُتَبنِّي

يا لطيفًا إذ يستقي وكريمًا ... إذ يُساقي ومُبدِعًا إذ يغني

يا سخيًا بالعمر يعرف أن الـ ... مجدَ كالدهر لا يُحَدّ بسِنّ

يا مذيبَ الستين أيَّ الليالي ... عُدتَ تُبقي وأيَّها رُحتَ تفني

(1) الديوان: 5/ 229 - 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت