فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 191

يا روعةَ البحر في العينين صافيةً ... يا نشوة الجبل الملتفِّ في العضُد

يا قطرةً من نِطاف الفَجْرِ ساقَطها ... من"أرز"لُبْنانَ خفّاقُ الظِلال نَدي

يا نبتة الله في عَليا مَظاهره ... آمنتُ بالله لم يولد ولم يَلد

يا تلعةَ الجيدِ نَصَّتهُ فما وقعت ... عَينٌ على مثلِه يزدانُ بالجَيَد

فعلى الرَّغم من أن المنادى واحد لا يناديه مباشرة لكن ينادي صفاته الشِّعرية فلا تأتي الصورة عبر بيت أو بيتين بل تتوزع على مجموعة من الأبيات تتآزر فيها الصور الصغيرة لتجتمع في صورة أنثى نالت اهتمام الشَّاعر ولا شك في أن الشَّاعر لو كرر اسم المنادى الحقيقي عبر هذه الأبيات لما استطاع ان يبتعد عن السقوط والضعف.

وقد مال الشَّاعر إلى الانتفاع من صورة المنادى المضاف وهي صورة مركبة من المضاف والمضاف إليه لِما وجده من قدرة هذا النمط من المنادى على بناء تركيب صوري كامل بعكس المنادى لو كان علمًا مفردًا أو نكرة مقصودة فلا يمكن أن يوحي بأي تركيب صوري فضلًا عن أنه يقيد خيال الشَّاعر والمتلقي على حد سواء.

لقد تحول النِّداءبهذه الوسيلة إلى أسلوب خبري فبإمكاننا أن نستبدل"يا"النِّداءبالضمير"أنت"لكن الشَّاعر أراد أن يقتاد ذهن المخاطب أو المتلقي للإبحار في عالم خياله الخصب الذي تترعه قدرة لُغَوية هائلة تفسح المجال أمام الشَّاعر لمخاطبة عدة صفات في آن واحد.

وقد عدّ الإمام عبد القاهر الجرجاني هذا الضرب من النِّداءمن باب الاستعارة فقال:"ومتى صلحت الاستعارة في شيء فالمبالغة فيه أصلح وطريقها أوضح ولسان الحال فيها أفصح، أعني إنك إذا قلت:"

يا ابن الكواكب من أئمة هاشم

ويا ابن الليوث الغُّر

فأجريت الاسم على المشبه اجراءه على أصله الذي وضع له وادعيت له كان قولك هم الكواكب وهم الليوث أو هم كواكب وليوث أحرى أن تقوله وأخف مؤونة على السامع في وقوع العلم به" [1] ."

إِنَّ الجواهري ينحرف بالنِّداءمن وجهته النحوية الَّتي ركّز عليها النحويون إلى وجهة عديدة تعتمد على غزارة لغته وخصب خياله الذي يجمح به إلى فضاء لا حدود له فيتحول النِّداءإلى وسيلة إبلاغ لا وسيلة تنبيه.

قال في قصيدة"يا دجلة الخير" [2] :

(1) أسرار البلاغة، تحـ هـ، ريتر: 231.

(2) الديوان: 5/ 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت