فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 191

الرفض وحدة الانفعال في مسارات مختلفة، والنفي بطبيعته، أسلوب يتيح للمتكلم انْ ينفي أمرًا واحدًا بطرائق من النفي متعددة لكونه أسلوبًا غنيًا بالأدوات على حين نرى أنَّ التعبير باستعمال أسلوب الاثبات محدود ولا يتوفر على صور تركيبية كثيرة، أيْ أن الجملة المثبتة لا تفسح التعبير بطبيعتها إلا في نطاق محدود لكن الشَّاعر يخرجها من محدوديتها ويَمُدُّ فيها باستعمال التكرار وصنوف التوكيد والعطف وغيرها.

ومن القصائد الَّتي برع الشَّاعر فيها باستمرار الاثبات والنفي ليشتركا في بناء القصيدة بشكل ملحمي يهدف به إلى التمييز بين صنفين من البشر هما الثائر الحاقد المُسْربَل بدماء التضحية والشهادة والخانع الذليل الذي لا حول ولا قوة له تمكنه من تغيير حالة البُؤْسِ الَّتي يعيشها العراق آنذاك تلك القصيدة هي"في مؤتمر المحامين" [1] الَّتي يستعمل فيها التحية الإسلامية وسيلةً للتمجيد والإجلال والدُّعاء فقال:

سلامٌ على حاقدٍ ثائرِ ... على لاحِبٍ من دمٍ سائر

يَخُبُّ ويعلَمُ أنَّ الطريـ ... قَ لابُدَّ مُفْضٍ إلى آخر

كأنّ بقايا دَمِ السابقيـ ... ـن ماضٍ يُمهِّدُّ للحاضر

كأنّ رميمَهُمُ أنْجُمٌ ... تُسدِّدُ من زَلَل العاثر

ثُمَّ يستعمل النفي وسيلةً للتحقير والتحفيز في آن واحد ووسيلة لحشد الصفات الرديئة إلى نمط بشري آخر فقال:

وليس على خاشِعٍ خانِعٍ ... مُقيم على ذُلِّهِ صابر

عفا الصبر من طلل داثر ... ومن متجر كاسدٍ بائر

يغلّ يدَ الشعْبِ عن أن تُمَدَّ ... لِكَسْرِ يَدِ الحاكم الجائِر

ويأمرُه أنْ يُقِرّ النزولَ ... على إمْرةِ الفاسقِ الفاجِرِ

ج

ويمضي الجواهري في قصيدته باستثمار هذه الوسيلة"سلامٌ على"حين يتعرَّض لنماذج بشرية لها مكانة عظيمة في نفس الشَّاعر والمتلقي و"ليس على"حين يتعرض لنماذج أخرى اتصفت بالخنوع والذل والخوف ويطغى على القصيدة تمجيدٌ للتضحية والشهادة.

ويبني الشَّاعر قصيدة"أقول مللتها وأعود" [2] باستعمال النفي وسيلةً ليدفعَ عن نفسه قالَة نَفَر اتهموه بتقلب عواطفه ومشاعره تبعًا للظروف فقال في مَطْلعها:

أقولُ مَلَلْتُها وأعودُ شَوْقًا ... كأنّي ما عَشِقْتُ ولا مَلَلْتُ

بَلى وكأنَّني لم أُثْنِ منها ... أماليدَ الغصونِ ولا أمَلْتُ

(1) الديوان: 4/ 91.

(2) الديوان: 6/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت