وقد راعَها قُبْحُها في المرايا
فجاء جواب الشرط في قوله:
فلستَ ببالغ رُعب البرايا
ولا يترك الاستعمال خالصًا لـ"مهما"لكنه يتبعه بأداتين أُخْرَيين من أدوات الشرط وهما"إذا"و"إنْ"ويجعل من جواب"مهما"دليلًا على جواب الشَّرط المحذوف فيهما، إن هذا النوع المعقد من الرَّبط بين عناصر التركيب الشرطي لا يبلغه إلا الشَّاعر المتمكن من اللغة وأساليبها وتدلُّ على براعته في استثمار خصائص هذه الأساليب الَّتي هي في الأصل مَبْنِيَةٌ على جملة معقدة وليست سهلة.
وينهج النهج نفسه في المقطع التالي من القصيدة نفسها فيفتتحه بأداة الشرط"إذا"ويُفَصِّل في فعل الشرط ثُمَّ يكرر أداة الشرط سبع مرات يعقبها في كل مرة بجمل شرطية ليأتي جواب الشرط بعد مرور واحد وعشرين شَطْرًا بقوله:
فَعُدْ أنت يا زاهيًا كالغُراب
ويا شامخًا كالحُلُومِ الغِضاب
ويا نافِذًا نافعًا كالحِراب
فَلُفَّ البرايا بهذا الخِضاب
تجدِّدْ به عهدها بالشباب
وفي هذا الشاهد فصل الشَّاعر بين المعطوف عليه (فعدْ) والمعطوف (فلفّ) بتراكيب من النِّداءالذي يتحول إلى خبر تتنوَّعُ من خلاله الصور وهو وسيلة سهلة يستثمرها الشَّاعر بغزارة في شعره مما يجعلها تُسهم أيضًا في مَدِّ القصيدة.
ولا ينتهي المطافُ بالشَّاعر وهو في معرض القَسَم باستعمال هذا الأسلوب استعمالًا أَلِفَتْهُ قواعد اللغة لكنه يسلك سبيل التنويع بالمُقْسَم به حينما يصف عيني"أنيتا"بصفات عديدة يحشد لها الشَّاعر أنواعًا جديدة من المقسم به يَبتدعها خياله العميق في تشعُّب يصور عينيْ
"أنيتا"تصويرًا حسيًا بارعًا وذلك كله يجري عبر التنويع بالمقسم به إلى أن يأتي جواب القسم بعد مساحة قولية كبيرة مما يجعل القصيدة تمتد بهذه الوسيلة فقال [1] :
إيْ وعينيكِ والخيالِ الشرود
إيْ وهذا الغَوْرِ السحيقِ البعيد
بين مُوقَيْكِ يَسبِقُ الأبعادا
(1) الديوان: 3/ 364 - 365 وينظر 3/ 126 قصيدة"طرطرا"و 3/ 265 قصيدة"أخي جعفر"وغيرها.