وقوله:
خَمْسُونَ زُمَّتْ مَلِيئاتٌ حقائِبُها ... مِنَ التَّجارِيبِ بِعْنَاها بِعِشْرِيْنا
وقوله:
أَوْ انْصَبَبْنا على غَايٍ نُحاوِلُها ... عُدْنا غُزاةً وإِنْ طاشَتْ مَرامِينا
وقوله:
غُفْلًا أَتَيْناكِ لَمْ تَعْلَقْ بِنا غُرَرٌ ... ولا حُجُولٌ وإنْ رَفَّتْ هَوادِيْنا
وَقَدْ وَظًَّفَ الشَّاعر الفِعْل الناقص (كانَ) والضَّمير (نا) في القصيدة لِيُحَقِّقَ صُوَرًا جَمِيلَةً مِنْ صُوَر الحنين إلى الطفولة والماضي الجميل فكأَنَّه يرثي ذلِكَ الماضي ويستعيده.
إِنَّ المُرُونة الَّتي َتَّتصِفُ بها الضَّمائر وسهولة التصاقها بالأسماء والأفعال وبعض حروف المعاني جَعَلَتْ الشَّاعر يَستعمِلُها بِوَفْرَةٍ في القصيدة لتكوين دلالة موسيقِيّة جديدة.
وفي قصيدة"طَيْفٌ تَحَدَّرَ" [1] الَّتي تَقَعُ في ثمانية عشر ومائة بيت زَجَّ الجواهري صُوَرًا جَمْعِيّة عديدة واستعمل صُوَر الجُموع في أربعينَ قافيةً فآثر صُوَر جَمْع التَّكْسير بِسَبَبِ وَفْرَة أَوْزانِها.
إن النبرة الخطابية لدى الشَّاعر الَّتي تطرقنا إليهِا وجسامة الحَدَثِ الَّذي عَبَّرَتْ عَنْهُ القصيدة أَتاحَتْ لَهُ أَنْ يَنهج هذا النَّهْج فَتَضَمَّنَتْ القصيدةُ العَديد مِنْ جموع التَّكْسِير الَّتي حَفَلَتْ صيغتها بأصواتِ مَدٍّ طَويلةٍ مِنْها: التَّرائِبْ والأَهْداب والأَطْياب وأَعْطاف والطُّيوف واللَّيالي والأَحْقاب وأَشْواط وأَوْصاب والمَنايا والأَفْراس والأَنْخاب والعُيُون والغُيُوم وشُقُوق والفُصُول وغَيْرِها، لذا كانَت أَوْزان الجموع ذات وفرة موسيقية أكْثَر مِنَ الكَلمة المُفْرَدَة وتَعْكِسُ خِبْرَةَ الشَّاعر بأَشْكال هذِهِ الجموع مِمّا يَمْنَحُهُ الشَّجاعَة والجُرأَةُ ليأتِيَ بِصُوَرٍ جَمْعِيّة نادِرة أو غير مألوفة.
(1) الديوان: 6/ 9 - 23.