وتَبْقى هذِهِ الكَلِماتُ غَرِيْبَةً عَنْ جَسَد النَّصِّ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ على وَضْعِها في سِياقٍ يُخَفِّفُ مِنْ غَرابَتِها.
وَقَدْ يَصْدُقُ الأَمْر على الجواهري في بِداياتِهِ الشِّعريّة تلكَ الَّتي جارى فيها عَدَدًا مِنْ كبارِ شُعَراءِ العَرَبِيّة لكِنَّه في مَرْحَلَةِ نُضْجِهِ الفَنّي أَصْبَحَ قادرًا على استعمال هذِهِ الأَلْفاظ بطريقَةٍ مُوْحِيَةٍ تَجْعَلُنا أَمامَ نَصٍّ مَضامِيْنُه حديثةٌ وبعض مفرداته تحتاجُ إلى فَحْص وبَصَر وعودةٌ إلى المُعْجَم بَيْنَ حين وآخر.
إِنَّ خِبْرَةَ الشَّاعر باللُّغَة وسَعَةَ اطِّلاعِهِ على موارِدها مكَّنَتْهُ مِنْ أَنْ يُوَظِّفَ هذِهِ المُفرَدات في سِياقٍ تبدو فيه حَيَّةً تَفيضُ نشاطًا لأنَّه يُنْشِيءُ للخاصَّةِ مِن الناس ـ كما ذكرنا سابقًا ـ أولئك القادرين على فَهْم الشَّاعر مِنْ غَيْرِ عَناء.
ومِمّا لا شَكَّ فيه أَنَّ فَهْمَ المُتَلَقّي في هذِهِ الحال سيكون نِسْبِيًّا يعتَمِدُ على ثقافَتِهِ وخِبْرَتِهِ اللُّغَويّة فلا مَناص مِنْ أَنْ تكونَ هذِهِ الكلمة عَسِيرَةً على فَهْمِ هذا المُتَلَقِّي يَسيِرَةً على غَيرِهِ، وذلِكَ لا يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ إِنَّ الجواهري يَتَعَّمَدُ زَجَّ أَيَّةَ كَلِمَة في النَّصِّ طالَما لاحَتْ في ذاكِرَتِهِ كما أَنَّ استمرار مطالعاتِهِ سَيَرْفِد لُغَتَهُ بروافد لا تَجِفُّ مَهْما طالَ به القَوْل وامتَدَّ به الزَّمَن.
إِنَّ شُيُوْع هذِهِ الظاهرة في شِعْرِه يُشَكِّل مَلْمَحًا أُسْلُوبِيًّا يَميلُ فيه الشَّاعر إلى إِضْفاءِ الحياة على العديد مِنَ المُفرَدات الَّتي نَكَصَ غيرُه عن استعمالها لجهلهم بها وقَلَّة خِبْرتِهِمْْ باللُّغَة بمستوياتها المختلفة، ناهيك عن أَنَّ العديد مِنَ الأَلْفاظ الَّتي وظَّفها شعرُهُ تُثير في ذاكرة المُتَلَقِّي العديد مِنَ التَّداعِيات الَّتي صاحبَتْ تلك الأَلْفاظ.
وَقَدْ تنَوَّعتْ الأَبْوابُ الَّتي يغترف مِنْها الجواهري مِنَ الموروث اللُّغوي ولعلَّ مِنْ أَهَمِّها انتفاعَهُ مِنْ ظاهرة التَّرادف الَّتي تَتَّصِف بها اللُّغَة العربية فيعمدُ إلى توظيفِ هذِهِ الظاهرة بوصفها رافدًا مِنْ روافد لغته الشِّعرية ومِن الشَّواهِد على ذلِكَ قَوْلُه [1] :
كَرُمَ الحَرْفُ آهَةً تتلَظّى ... فَوْقَ طِرْسٍ ودَمْعَةً
(1) الديوان: 5/ 264.