فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 191

يحتفظ بهذِهِ الأَلْفاظ وجُزْءًا مِنْ مُكَوِّنات أَداتِه الشِّعريّة، ولا يَرْقى شَكُّ إلى ذِهْن القاريء المُنْصِف الَّذي يَصِلُ إلى حقّيقة مُؤَكَّدة هي أَنَّ الجواهري ينشدُ للخاصَّة لأَنَّ لُغَته لُغَة الخاصَّة الَّتي يسمو بها إلى مَنْزلَة لا يتبوّأُها شاعرٌ غيرُهُ.

إنَّ اللُّغَة لَدى الجواهري هِيَ اللُّغَة بتاريخِها الطَّوِيْل كُلِّه وبثرائها كُلِّه وهي أَداتُهُ الجديرة بالاصطباغ بدِماء كُلّ العصور فاللّفظة عِنْدَه لا تنتمي لعَصْرِ دُوْنَ آخر بل هي اللَّفظة الَّتي تَبْقى حَيّة في خيالهِ الخِصْبِ وإِذا ما طواها النِّسيان فهو الجدير بانتشالها مِنَ الغَرَق لتعودَ إلى الحياة مِنْ جديد، فهي جُزْءٌ لا يتجزَّأ مِنْ مُكوَّنات لُغَة الشَّاعر الفَذّ الَّذي يَقْهَرُ الزَّمَنْ ويجعلها مَرِنَةً سَهْلَة لتَكونَ أكْثَر طواعيَةً وإيحاءً.

وَقَدْ عَبَّرَ الجواهري عن تجربة الشَّاعر وصِلَتِها بالتُّراثِ فَقالَ:"إِنَّ التُّراثَ أَصْلُ الأُمّة وشريانُها المانح دَمَّ القُدْرة والتَّجدُّد وهو ركيزةُ اللُّغَة، اللُّغَة العربية لغة تُراث وسِحْر وإعجاز ومَنْ لا لغة له لا تُراثَ له والعَكْس صحيح، يجب أَنْ تكون استنادات الشِّعر العربي على تراثه جوهرية لأَنَّ المظهر أَصْلُ الجوهر والتَّعْبير عَن العَصْر مَسْأَلَة زَمَنِيّة، ظروف اليوم لَيْسَتْ ظُرُوف الأَمْسِ، لكِنَّ لُغَة اليوم هي لُغَة الأَمْسِ في هذا التَّداخل تَنْشُبُ آنيّة هذِهِ المعادلة" [1] .

وَقَدْ أخَذَتْ الشَّاعرة نازك الملائكة الشَّاعر علي محمود طه على استعماله كلمات مُعْجَمِيّة اسْتَخْدَمَها لما فيْها مِنْ غرابَةٍ وخُشُوْنَة لأَنَّها:"تُفَتِّتُ إحساسات التَّذَوُّق والإعجاب الَّتي يستجيب لها القاريء للشعر الجميل" [2] ، وَعَدَّت تلك الأَلْفاظ عائِقًا يوقِفُ تذوق القاريء للنَّصِّ وتجعل التَّوْصيل مَبْتُورًا وأضافَتْ:"إِنَّ الكلماتِ القاموسِّية تفتقد ما تَمْنَحُهُ الحياة مِنْ حرارة وحَيَويِّة ولذلِكَ تأتي جامدَِةً عَبْرَ القَصيدة وكأَنَّها بُقْعَة مَيِّتة في جَسَدٍ حَيّ تُوجِعُ أو تَخْدِشُ النَّظَرَ" [3] .

إِنَّ هذا الرأي قد يصدُقُ على بعض الشِّعراء الذين يُرَصِّعوْنَ أَشْعارهم بِمِثْلِ هذِهِ الأَلْفاظ لأَنَّهُمْ يَحْشُرُونَها حَشْرًا إِمّا للوصول إلى القافية أو سَعْيًا لمجاراة الوَزْن فتأتي لُغَتُهُمْ مُضْطَرِبَةً

(1) مجلة الوطن العربي، ع 107 س. الثالثة 1979: 63.

(2) الصومعة والشرفة الحمراء: 176.

(3) نفسه: 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت