وراحَ قِطارٌ يَعْتَلِجُ صَدْرُهُ الحَرِجُ بِضِرامٍ
فَهْوَ يَنْزَلِجُ في القُضْبان
ويُطْلِقُ سَعَلاتٍ ذُبْنَ في السَّحَر
كأَنْغامٍ على وَتَر
فنتبَيَّنَ مِنْ ذلِكَ أَنَّ جمالية النَّصِّ فَقَدَتْ الكَثيرَ مِنْ خَصائِصِها وأَنَّ موسيقى الشِّعر قد خَفَتَتْ ولم يَعُدْ لها تأثيرٌ في النَّفْسِ فاستفادَ الشَّاعر مِنْ مُرُونة اللُّغَة وَقُدْرَتِهِ على تحويل مراتِبِها وإبرازِهِ الفِكْرَة بقالَبٍ جَميل يَسْحَرُ المُتَلَقّي ويُؤَثِّرَ فيه.
إِنَّ مُعالَجَةَ هذِهِ الظّاهِرة على أَساسٍ عَقْلي يَخْنُقُ اللُّغَة ويحدُّ مِنْ قُدْرَتِها على التَّوْصيل فإِنَّ لُغَة الشِّعر هِيَ الَّتي تَفْرضُ قوانِينَها، ولا نَعْني بذلِكَ أنَّ الشَّاعر يهمل قوانين النَّحْوِ بل كثيرًا ما يعتمدُ بها لكِنَّه في أحيان أخرى يقيس على أَمْثِلة شاذَّة تَنُمُّ عَنْ معرفةٍ واعيةٍ بنظامِ ترتيبِ الكلماتِ فيأتي النَّحْوُ في شِعْرِهِ مُمَثِّلًا لقوانين اللُّغَة المعيارِيّة زائدًا قوانين لغة الشِّعر وما الشِّعر إلا مزيجٌ مِنَ الاثنين مَعًَا.
إنّ اللُّغَة بالنسبة للشَّاعر هِيَ المادة الأولية الَّتي يَعْصِرُ مِنْها كُلَّ أنواع العُصارات فتكشف اللُّغَة عن جَمِيع إمكاناتِها [1] .
وإنَّ قُدْرَة الجواهري الخارقة على تَوْليدِ الجُمَل والتَّراكِيب الكامِنْة في اللُّغَة هي الَّتي سَمَحَتْ له بهذِهِ الغزارة في الإنتاج الرَّفيع لِقُدْرَتِهِ على تَشْكيل اللُّغَة مِنْ جديد على وَفْق ما تسمح به قوانين التَّحويل بَيْنَ عناصرها.
(1) مجلة الثقافة الأجنبية ع 4 س 12، 1992
مقال:"قضية المضمون والمادة الأولية والشكل في الإبداع اللغوي والفني"
ميخائيل باختين، ترجمة جميل نصيف الجنابي: 189