فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 191

ولا يعني ذلِكَ أَنَّ المُنْشيء حُرُّ التَّصرُّف في تقديم وتأخير ما يريد فهنالك عناصر لا يمكن العبث في ترتيبها كالصِّفة والموصوف والمضاف والمضاف إليهِ [1] ، وتقتضي هذِهِ الظاهرة مِنْ الشَّاعر مَعْرِفَة واسعة بقوانين النَّحْو الَّتي يستند إليهِا بناء الجُمَلة كما يَتَحَكَّمُ في المُنْطَلَقِ القَوْليّ للمُنْشيء الذي يبدأ القول بما يَحسبه معَبِّرًَا عن انفعاله وعاطفته.

إنَّ الجُملة في الشِّعر تخضعُ لنظامِ موسيقيٍ يتحكَّمُ في بَعْضِ الأَحيان في ترتيب عناصرها وسرعان ما ينفرط هذا النِّظام لو أَعدْنا بناء الجُملة الشِّعرية على وَفْقِ الجُملة العادِيّة الَّتي لا تهدف إلى التأثير ولا تُعَبِّرَ عن مَوْقِفٍ انفعالي مُعَيَّن ولتبَيِّنَ ذلِكَ سَنَتَّخِذُ مِنْ أَحد مقاطع قصيدة"أَيُّها الأرق" [2] مثلًا فقال الجواهري:

خَفَقَتْ مِنْ حَوْلِيَ السُّرُجُ ... في الرُّبى والسُّوْحِ تَخْتَلِجُ

وَمَشى في الظُّلْمَة البَلَجُ ... وقطارٌ راحَ يَعْتَلِجُ

بِضِرامٍٍ صَدْرُهُ الحَرِجُ ... فَهْوَ في القُضْبانِ يَنْزَلِجُ

وكَأنْغامٍ على وَتَر

سَعَلاتٌ ذُبْنَ في السَّحَر

وَلْنُحاوِلْ إعادةَ نَظْم الجُمَل بطريقة تغفل القَصْد الجمالي وتُراعى فيها الرُّتَب النَّحْوِيَّة الأَوَّليِّة القياسِّية دون تقديم وتأخير ودون حذف أو تقدير:

خفقْتَ السُّرُجُ مِنْ حَوْلي

وَهيَ تَخْتَلِجُ في الرُّبى والسُّوح

وَمَشى البَلَجُ في الظُّلْمَة

(1) نبه إلى ذلِكَ سيبويه في الكتاب: 1/ 59 وذكر ابن السراج ثلاث عشرة حالة لا تسمح بانتقال العنصر مِنْ موقعه إلا لضرورة الشِّعر، الأصول في النَّحْوِ: 2/ 222.

(2) الديوان: 5/ 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت