(1) وهذا قد جاء في صحيح الإمام مسلم من طريق عاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذات يوم في خطبته: (( إلا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مالٍ نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللته لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا الحديث. ) )
وحينئذٍ عمي المشركون عن قبح هذا الشرك وظنوه حسنًا فإن من زين له سؤ عمله يظن القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا، وأي عقل عند المشركين وهم ينادون الأموات والغائبين ويطوفون حول القبور وينذرون للأموات والغائبين ويذبحون لهم وهم لا يسمعون {ولو سمعوا ما استجابوا لهم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} زيادةً على هذا أنهم يلاحظون هذا أمرًا حسيًا معقولًا أنهم لا يجلبون لهم نفعًا ولا يدفعون عنهم ضرًا، فما أغنت آلهتهم عنهم حين هزموا في معارك كثيرة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المشركون حين صادموا هذه الدعوة وهم يعبدون غير الله ماذا أغنت عنهم آلهتهم، وقد كسر النبي - صلى الله عليه وسلم - شوكتهم وأراهم ضعفهم فهم يَدَعون ما يسمع ويبصر ويغني عن صاحبه شيئًا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن صاحبه شيئًا، هم يعلمون أن الميت لا يعطيهم مالًا فلا يغني الفقير ولا ينصر الضعيف ومع هذا يدعونهم من دون الله ويرجونهم خوفًا وطمعًا فهذا دليل على فساد عقولهم وأي عقل عند من يدعو غير الله جل وعلا ولهذا نعلم أن قبح الشرك مستقر في العقول والفطر وهذا لا ينازع فيه أحد من أهل السنة ولا غير أهل السنة ممن آتاه الله عقلًا ويميّز به هذا وذاك.
(2) فإذا تقرب العبد لغير الله بالسجود له أو بالطواف على القبر فقد أشرك بالله وشبه المخلوق بالخالق وقد تقدم أن السجود قد يكون على وجه التحية فيكون محرمًا بالاتفاق وقد يكون على وجه العبادة فيكون كفرًا بالاجماع وتقدم القول: كل عبادة ثبتت بدليل صحيح فصرفها لغير الله على وجه التعبد شرك أكبر هذا في الأمور المحتملة ليس في كل أمر، فإن الأمور الصريحة التي لا تحتمل أمرين لا يصح هذا القيد (على وجه التعبد) فإن هذا باطل فإن المرء لو سجد لصنم لكان مرتدًا عن الدين دون تقييد ذلك بدعوى التعبد له لأن هذا لا يحتمل أمرين هذا يقال في القاعدة السابقة على الوجوه المحتملة وأيضًا أجمع العلماء أن ما ثبت أنه عبادة وفُعل لغير الله على وجه التعبد أنه شرك أكبر هذا لا نزاع فيه ولكن لا