فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 324

ذلك أن العقل، مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والإبداع، هو ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان - بالخبرة التاريخية والمعاصرة - هي نسبة الإدراك والقدرات، تجهل اليوم ما تعلمه غدًا، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر .. وإذا كانت ميادين عالم الشهادة - النفس والكون .. أي الدنيا .. مفتوحة على مصاريعها أمام العقل وأمام التجربة - بالنسبة للإنسان - فإن هناك ميادين - وخاصة في معارف عالم الغيب - سبيل معرفتها النقل - أي الوحي - والوجدان - القلب والإلهام - فالهدايات التي يهتدى بها الإنسان هي"العقل"و"النقل"و"التجربة"و"الوجدان".. وليست العقل وحده دون سواه .. وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الإنسانية، مع تنوع مصادر المعرفة الإنسانية - الوحي وآيات الله المسطورة، مع الكون وآيات الله المنظورة - تتكامل وتتوازن المعرفة الإنسانية - وهذه هي نظرية المعرفة الإسلامية - بينما يختل توازن هذه المعرفة إذا هي وقفت - في المصادر - عند الكون وعالم الشهادة وحده - وفي الوسائل وإدراك المعرفة عند العقل وحده، أو العقل والتجربة وحدهما، دون النقل والوجدان .. ولقد عبر عن هذا التكامل والتوازن في - نظرية المعرفة الإسلامية الإمام محمد عبده عندما تحدث - في تفسيره لآية (اهدنا الصراط المستقيم) - من سورة الفاتحة - عن"الهدايات الأربع"- العقل، والنقل، والتجربة، والوجدان كما عبر عن التلازم الضرورى بين العقل والنقل، لتكامل المعرفة الإسلامية عندما قال:".. فالعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله، وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة .. أما النقل، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة والعبادات .. والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الإسلامُ الناس إلى النظر فيه بعقولهم .. فهو معجزة عُرضت على العقل، وعرفته القاضى فيها، وأطلقت له حق النظر في أنحائها، ونشر ما انطوى في أثنائها .. وإذا قدّرنا عقل البشر قدره، وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنسانى .. أما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته .. ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده .. لهذا كان العقل محتاجًا إلى مُعين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة ..".

فالإسلام لا يعرف - على الإطلاق - هذه الثنائية المتناقضة بين العقل والنقل .. وصريح المعقول لا يمكن أن يتعارض مع صحيح المنقول ..

ولقد عبر الإمام محمد عبده عن ما قد يتوهمه البعض تعارضًا عندما صاغ حقيقة هذه القضية فقال:"لقد تقرر بين المسلمين أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم، فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل ..".. ففارق بين ما يعلو على إدراك العقل، من بعض أمور الدين، وبين ما يستحيل في العقل الذي برئ ويبرأ منه الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت