فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 324

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31)قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)}

هناك مَنْ يكتفون بالقرآن الكريم .. ويشككون في صحة الأحاديث، ويظهرون التناقضات بينها، ويذكرون الحديث الذي ينص على عدم زيارة المرأة للقبول، والحديث الذي يقول (في معناه) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إننى قد أمرتكم بعدم زيارة القبور من قبل، والآن أسمح لكم بزيارة القبور .. فيشيرون إلى ذلك بأنه تناقض .. ويدللون على ذلك بأن الأمة قد فقدت الكثير من الأحاديث النبوية عبر الزمان، أو أن هذه الأحاديث قد حرفت عن معانيها الصحيحة .. (انتهى) .

الرد على الشبهة:

فى بداية الجواب عن شبهة هؤلاء الذين يشككون في الأحاديث النبوية. ننبه على مستوى جهل كل الذين يثيرون مثل هذه الشبهات حول الحديث النبوي الشريف .. ذلك أن التدرج والتطور في التشريع الذي يمثله حديث النهي عن زيارة القبور ثم إباحتها .. هذا التدرج والتطور في التشريع لا علاقة له بالتناقض بأى وجه من الوجوه، أو أي حال من الأحوال.

ثم إن التشكيك في بعض الأحاديث النبوية، والقول بوجود تناقضات بين بعض هذه الأحاديث، أو بينها وبين آيات قرآنية .. بل والتشكيك في مجمل

الأحاديث النبوية، والدعوة إلى إهدار السنة النبوية والاكتفاء بالقرآن الكريم .. إن هذه الدعوة قديمة وجديدة، بل ومتجددة .. وكما حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه .. فلقد حذّر من إنكار سنته، ومن الخروج عليها.

ونحن بإزاء هذه الشبهة نواجه بلونين من الغلو:

أحدهما: يهدر كل السنة النبوية، اكتفاء بالقرآن الكريم .. ويرى أن الإسلام هو القرآن وحده.

وثانيهما: يرى في كل المرويات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم سنة نبوية، يكفر المتوقف فيها، دونما فحص وبحث وتمحيص لمستويات"الرواية"و"الدراية"في هذه المرويات. ودونما تمييز بين التوقف إزاء الراوى وبين إنكار ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وبين هذين الغلوين يقف علماء السنة النبوية، الذين وضعوا علوم الضبط للرواية، وحددوا مستويات المرويات، بناء على مستويات الثقة في الرواة .. ثم لم يكتفوا - في فرز المرويات - بعلم"الرواية"والجرح والتعديل للرجال - الرواة - وإنما اشترطوا سلامة"الدراية"أيضًا لهذه المرويات التي رواها العدول الضابطون عن أمثالهم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أى أن هؤلاء العلماء بالسنة قد اشترطوا"نقد المتن والنص والمضمون"بعد أن اشترطوا"نقد الرواية والرواة"وذلك حتى يسلم المتن والمضمون من"الشذوذ والعلة القادحة"، فلا يكون فيه تعارض حقيقي مع حديث هو أقوى منه سندًا، وألصق منه بمقاصد الشريعة وعقائد الإسلام، ومن باب أولى ألا يكون الأثر المروى متناقضًا تناقضًا حقيقيًّا مع محكم القرآن الكريم ..

ولو أننا طبقنا هذا المنهاج العلمي المحكم، الذي هو خلاصة علوم السنة النبوية ومصطلح الحديث، لما كانت هناك هذه المشكلة - القديمة ..

المتجددة - .. ولكن المشكلة - مشكلة الغلو، بأنواعه ودرجاته - إنما تأتى

من الغفلة أو التغافل عن تطبيق قواعد هذا المنهج الذي أبدعته الأمة الإسلامية، والذي سبقت به حضارتنا كل الحضارات في ميدان"النقد الخارجي والداخلى للنصوص والمرويات".. وهذه الغفلة إنما تتجلى في تركيز البعض على"الرواية"مع إهمال"الدراية"أو العكس .. وفي عدم تمييز البعض بين مستويات المرويات، كأن يطلب من الأحاديث ظنية الثبوت ما هو من اختصاص النصوص قطعية الثبوت .. أو من مثل تحكيم"الهوى"أو"العقل غير الصريح"في المرويات الصحيحة، الخالية متونها ومضامينها من الشذوذ والعلة القادحة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت