وهناك أيضًا آفة الذين لا يميزون بين التوقف إزاء"الرواية والرواة"- وهم بشر غير معصومين، وفيهم وفي تعديلهم وقبول مروياتهم اختلف الفقهاء وعلماء الحديث والمحدثون - وبين التوقف إزاء"السنة"، التي ثبتت صحة روايتها ودرايتها عن المعصوم صلى الله عليه وسلم .. فتوقف العلماء المتخصصين - وليس الهواة أو المتطفلين - إزاء"الرواية والرواة"شيء، والتوقف إزاء"السنة"التي صحت وسلمت من الشذوذ والعلل القادحة شيء آخر .. والأول حق من حقوق علماء هذا الفن، أما الثاني فهو تكذيب للمعصوم صلى الله عليه وسلم، والعياذ بالله ..
أما الذين يقولون إننا لا حاجة لنا إلى السنة النبوية، اكتفاء بالبلاغ القرآني، الذي لم يفرط في شئ .. فإننا نقول لهم ما قاله الأقدمون - من أسلافنا - للأقدمين - من أسلافهم:
إن السنة النبوية هي البيان النبوي للبلاغ القرآني، وهي التطبيق العملى للآيات القرآنية، التي أشارت إلى فرائض وعبادات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات الإسلام .. وهذا التطبيق العملى، الذي حوّل القرآن إلى حياة معيشة، ودولة وأمة ومجتمع ونظام وحضارة، أي الذي"أقام الدين"، قد بدأ بتطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم للبلاغ القرآني، ليس تطوعًا ولا تزيّدًا من الرسول، وإنما كان قيامًا بفريضة إلهية نص عليها القرآن الكريم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) . فالتطبيقات النبوية للقرآن - التي هي السنة العملية والبيان القولى الشارح والمفسر والمفصّل - هي ضرورة قرآنية، وليست تزيّدًا على القرآن الكريم .. هي مقتضيات قرآنية، اقتضاها القرآن .. ويستحيل أن نستغنى عنها بالقرآن .. وتأسيًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقيامًا بفريضة طاعته - التي نص عليها القرآن الكريم: (قل أطيعوا الله والرسول) (2) (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (3) (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (4) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) . تأسيًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة له، كان تطبيق الأمة - في جيل الصحابة ومن بعده - لهذه العبادات والمعاملات .. فالسنة النبوية، التي بدأ تدوينها في العهد النبوي، والتي اكتمل تدوينها وتمحيصها في عصر التابعين وتابعيهم، ليست إلا التدوين للتطبيقات التي جسدت البلاغ القرآني دينًا ودنيا في العبادات والمعاملات.
فالقرآن الكريم هو الذي تَطَلَّبَ السنة النبوية، وليست هي بالأمر الزائد الذي يغنى عنه ويستغنى دونه القرآن الكريم.
أما العلاقة الطبيعية بين البلاغ الإلهي - القرآن - وبين التطبيق النبوي لهذا البلاغ الإلهي - السنة النبوية - فهى أشبه ما تكون بالعلاقة بين"الدستور"وبين"القانون". فالدستور هو مصدر ومرجع القانون .. والقانون هو تفصيل وتطبيق الدستور، ولا حُجة ولا دستورية لقانون يخالف أو يناقض الدستور .. ولا غناء ولا اكتفاء بالدستور عن القانون.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد مبلّغ فقط، وإنما هو مبلّغ، ومبين للبلاغ، ومطبق له، ومقيم للدين، تحوّل القرآن على يديه إلى حياة عملية - أي إلى سنة وطريقة يحياها المسلمون.
وإذا كان بيان القرآن وتفسيره وتفصيله هو فريضة إسلامية دائمة وقائمة على الأمة إلى يوم الدين .. فإن هذه الفريضة قد أقامها - أول من أقامها - حامل البلاغ، ومنجز البيان، ومقيم الإسلام - عليه الصلاة والسلام.
والذين يتصورون أن الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد مبلِّغ إنما يضعونه في صورة أدنى من صورتهم هم، عندما ينكرون عليه البيان النبوي للبلاغ القرآني، بينما يمارسون هم القيام بهذا البيان والتفسير والتطبيق للقرآن الكريم! .. وهذا"مذهب"يستعيذ المؤمن بالله منه ومن أهله ومن الشيطان الرجيم!.