فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 324

{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)}

الرد على الشبهة:

1 -يُعد الإسلام أول من نادى بحقوق الإنسان وشدد على ضرورة حمايتها. وكل دارس للشريعة الإسلامية يعلم أن لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته. والتاريخ الإسلامي سجل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب مواجهته الحاسمة لانتهاك حقوق الإنسان وقوله في ذلك:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟.

2 -تنبنى حقوق الإنسان في الإسلام على مبدأين أساسيين هما: مبدأ المساواة بين كل بني الإنسان، ومبدأ الحرية لكل البشر. ويؤسس الإسلام مبدأ المساواة على قاعدتين راسختين هما: وحدة الأصل البشرى، وشمول الكرامة الإنسانية لكل البشر. أما وحدة الأصل البشرى فإن الإسلام يعبر عنها بأن الله قد خلق الناس جميعًا من نفس واحدة. فالجميع إخوة في أسرة إنسانية كبيرة لا مجال فيها لامتيازات طبقية. والاختلافات بين البشر لا تمس جوهر الإنسان الذي هو واحد لدى كل البشر. ومن هنا فهذه الاختلافات ينبغي - كما يشير القرآن الكريم - أن تكون دافعًا إلى التعارف والتآلف والتعاون بين الناس وليس منطلقًا للنزاع والشقاق: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا * إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .

أما القاعدة الأخرى للمساواة فهى شمول الكرامة الإنسانية لكل البشر. وقد نص القرآن على ذلك في قوله: (ولقد كرمنا بني آدم) . فالإنسان بهذا التكريم جعله الله خليفة في الأرض، وأسجد له ملائكته، وجعله سيدًا في هذا الكون، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض. فالإنسان بذلك له مكانته ومكانه المفضل بين الخلق جميعًا. وقد منح الله هذه الكرامة لكل الناس بلا استثناء لتكون سياجًا من الحصانة والحماية لكل فرد من أفراد الإنسان، لا فرق بين غنى وفقير وحاكم ومحكوم. فالجميع أمام الله وأمام القانون وفي الحقوق العامة سواء.

أما المبدأ الثاني الذي ترتكز عليه حقوق الإنسان فهو مبدأ الحرية. فقد جعل الله الإنسان كائنًا مكلفًا ومسئولًا عن عمارة الأرض وبناء الحضارة الإنسانية. وليست هناك مسئولية دون حرية، حتى في قضية الإيمان والكفر التي جعلها الله مرتبطة بمشيئة الإنسان (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) . وهكذا تشمل الحرية كل الحريات الإنسانية دينية كانت أم سياسية أم فكرية أم مدنية.

3 -الحكم في تعاليم الإسلام لابد أن يقوم على أساس من العدل والشورى. وقد أمر الله الناس في القرآن بالعدل وألزمهم بتطبيقه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) . (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) . والآيات في ذلك كثيرة. أما الشورى فهى مبدأ أساسى ملزم. وكان النبي (يستشير أصحابه ويأخذ برأى الأغلبية وإن كان مخالفًا لرأيه. وأظهر مثل على ذلك خروج المسلمين إلى غزوة أُحد. فقد كان الرسول يرى عدم الخروج، ولكن الأكثرية كانت ترى الخروج. فنزل على رأيهم وخرج، وكانت الهزيمة للمسلمين. ومع ذلك شدد القرآن على ضرورة الشورى فقال مخاطبًا النبي:(فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) . ولا يلتفت في هذا الصدد إلى رأى قلة من الفقهاء الذين يزعمون أن الشورى غير ملزمة. فهذا الزعم مخالف للنصوص الدينية الصريحة.

وقد ترك الإسلام للمسلمين حرية اختيار الشكل الذي تكون عليه الشورى طبقًا للمصلحة العامة. فإذا كانت المصلحة تقتضى أن تكون الشورى بالشكل المعروف الآن في الدول الحديثة فالإسلام لا يعترض على ذلك. وكل ما في الأمر هو التطبيق السليم مع المرونة طبقًا لظروف كل عصر وما يستجد من تطورات محلية أو دولية.

ومن ذلك يتضح مدى حرص الإسلام على حقوق الإنسان وصيانتها، وحرصه على التطبيق السليم لمبدأ الشورى أو الديمقراطية بالمفهوم الحديث.

4 -الإسلام أتاح الفرصة لتعددية الآراء، وأباح الاجتهاد حتى في القضايا الدينية طالما توافرت في المجتهد شروط الاجتهاد. وجعل للمجتهد الذي يجتهد ويخطئ أجرًا وللذى يجتهد ويصيب أجران. والدارس لمذاهب الفقه الإسلامي المعروفة يجد بينها خلافًا في وجهات النظر في العديد من القضايا. ولم يقل أحد: إن ذلك غير مسموح به. ومن هنا نجد أن الإسلام يتيح الفرصة أمام الرأي الآخر ليعبر عن وجهة نظره دون حرج مادام الجميع يهدفون إلى ما فيه خير المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت