منشأ هذه الشبهة:
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
هذه الآية هي منشأ هذه الشبهة عندهم، لأنهم نظروا فيما بعد"الواو"في"الصابئون"وقارنوا بينه وبين"الذين آمنوا"الواقع بعد"إن"وهي حرف ناسخ ينصب"المبتدأ"ويرفع"الخبر"واسم"إن"هنا هو"الذين"وهو مبنى لأنه اسم موصول.
وقد عطف عليه"الذين هادوا"أما"الصابئون"فجاءت مرفوعة ب"الواو"لأنها جمع مذكر سالم وجاء بعدها"النصارى".
وكل من"الذين"في الموضعين السابقين على"الصابئون"وكذلك"النصارى"إعرابها تقديرى لا يظهر لا في الخط ولا في النطق، وذلك لأن الاسم الموصول"الذين"من المبنيات على حالة واحدة، أما"النصارى"فهو اسم مقصور، يتعذر ظهور حركة الإعراب عليه، وهي هنا الفتحة، و"الراء"مفتوحة أصالة، ومحال أن تظهر فتحتان على موضع واحد. سواء كانت الحركتان مختلفتين، كفتحٍ وضمٍ، أو متجانستين، كفتحتين وضمتين.
وخصوم القرآن نظروا في نظم هذه الآية الحكيمة وقالوا إن فيها خطأ لغويًا (نحويًا) ؛ لأن"الصابئون"معطوفة على منصوب"إن الذين آمنوا"فكان حقها أن تنصب، فيقال"والصابئين"لكنها جاءت مرفوعة ب"الواو"هكذا"والصابئون"وهدفهم من تصيد هذه الشبهات إثبات:
-أن في القرأن تحريفًا لمخالفته بدهيات القواعد النحوية.
-أو هو ليس من عند الله، لأن ما كان من عند الله لا يكون فيه خطأ.
الرد على الشبهة:
للنحاة والمفسرين في توجيه رفع"الصابئون"في هذه الآية عدة آراء، منها ما هو قوى مشهود له في الاستعمال اللغوي عند العرب الخلص، ومنها ما هو دون ذلك، وقد بلغت في جملتها تسعة توجهات نذكر منها ما يلى:
الأول: ما قاله جمهور نحاة البصرة، الخليل وسيبويه وأتباعهما، قالوا: إن"الصابئون"مرفوع على أنه"مبتدأ"وخبره محذوف يدل عليه خبر ما قبله"إن الذين آمنوا"قالوا: والنية فيه التأخير، أي تأخير"والصابئون"إلى ما بعد"والنصارى". وتقدير النظم والمعنى عندهم:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك".
ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول، وتقديره"راضون"لدلالة الثاني عليه"راض".
والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
وقول الآخر:
ومن بك أمسى بالمدينة رحله
فإني وقيَّار بها لغريب
والتقدير: فإني لغريب وقيار كذلك.
وقول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق
الشاعر يصف الفريقين أنهم"بغاة"إن استمروا في الشقاق، والتقدير:
اعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.
وهكذا ورد في الاستعمال اللغوي عند العرب، أن الجملة الاسمية المؤكدة ب"إن"يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم"إن"وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم"إن"ويحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر اسم"إن"عليه، أو يحذف خبر اسم"إن"ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثاني دليلًا على خبر اسم"إن"المحذوف ونظم الآية التي كانت منشأ الشبهة عندهم لا يخرج عن هذه الأساليب الفصيحة، التي عرفناها في الأبيات الشعرية الثلاثة، وهي لشعراء فصحاء يستشهد بكلامهم.