فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 324

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)}

هناك مَنْ يقيمون التناقض بين"العقل"و"النقل"، ويدعون أن الثقافة الإسلامية نقلية لا عقلية، ويعتقدون أن جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين، لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير .. وأنه يجب التفكير في كل أمور الدين، الأصل قبل الفرع .. وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التي تعتبرها الأمة من المسلمات، والبحث من جديد عن الحقيقة، معتمدين على العقل فقط .. (انتهى) .

الرد على الشبهة:

إن القول بالاعتماد على العقل فقط - أي دون النقل، الذي هو الوحي الإلهي، في بلاغه القرآني وبيانه النبوي - .. واستخدام العقل وحده أداة لإعادة النظر في كل ما تعتبره الأمة من المسلمات .. هو قول يحتاج إلى ضبط .. وإلى تصويب .. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق:

أولاها: أن مقام العقل في الإسلام هو مكان عال وفريد، ولا نظير له في الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة .. فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام .. أي شرط التدين بدين الإسلام.

وثانيتها: أن النقل الإسلامي - وخاصة معجزته القرآنية - هو معجزة عقلية، قد ارتضت العقل حكمًا في فهمها وفي التصديق بها، وفي التمييز بين المحكم والمتشابه في آياتها، وأيضًا في تفسير هذه الآيات .. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين .. وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية، تدهش العقول، فتشلها عن التفكير والتعقل، جاءت معجزة الإسلام - القرآن الكريم - معجزة عقلية، تستنفر العقل كى يتعقل ويتفكر ويتدبر، وتحتكم إليه باعتباره القاضى في تفسير آياتها .. فكان النقل الإسلامي سبيلًا لتنمية العقلانية الإسلامية .. وكان هذا التطور في طبيعة المعجزة متناسبًا ومتسقًا مع مرحلة النضج التي بلغتها الإنسانية، ومع ختم السماء سلسلة الرسالات والوحي إلى الأنبياء والرسل وأمم الرسالات ..

وثالثتها: أن العقل - في الإسلام - هو سبيل الإيمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته .. لأن الإيمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذي جاء به الرسول، لأنه شرط لهما، ومقدم عليهما، فالتصديق بالكتاب - النقل - متوقف على صدق الرسول الذي أتى به، والتصديق بالرسول متوقف على وجود الإله الذي أرسل هذا الرسول وأوحى إليه .. والعقل هو سبيل الإيمان بوجود الله - سبحانه وتعالى - وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات .. فالعقل - في الإسلام - هو أداة الإيمان بجوهر الدين - الألوهية - وبعبارة الإمام محمد عبده:".. فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحُجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته ..".

وذلك على حين كان العقل غريبًا ومستبعدًا من سبل الإيمان في حقب الرسالات السابقة على الإسلام .. حقب المعجزات المدهشة للعقول، عندما كانت الإنسانية في مراحل الطفولة"خرافًا ضالة"، تؤمن بما يُلقى إلى قلبها، دون إعمال عقل، لأن الإيمان لا يحتاج إلى إعمال عقل .. وفق عبارة القديس والفيلسوف النصرانى"أنسيلم" [1033 - 1109 م] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت