ورابعتها: أن المقابلة بين"العقل"و"النقل"هي أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التي تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية، تلك التي عرفت لاهُوتًا كنسيًا - نقلًا - لا عقلانيًا، فجاءت عقلانيتها، في عصر النهضة والتنوير الوضعي العلماني، ثورة على النقل اللاعقلانى ونقضًا له .. أما في الإسلام، والمسيرة الفكرية لحضارته وأمته - وخاصة في عصر الازدهار والإبداع - فإن النقل لم يكن أبدًا مقابلًا للعقل، لأن المقابل للعقل هو الجنون، وليس النقل .. ولأن النقل الإسلامي - القرآن الكريم - هو مصدر العقلانية المؤمنة، والباعث عليها، والداعي لاستخدام العقل والتفكر والتدبر في آيات الله المنظورة والمسطورة جميعًا .. وآيات القرآن التي تحض على العقل والتعقل تبلغ تسعًا وأربعين آية .. والآيات التي تتحدث عن"اللُّب"- بمعنى عقل وجوهر الإنسان - هي ست عشرة آية. كما يتحدث القرآن عن"النُّهى"- بمعنى العقل - في آيتين .. وعن الفكر والتفكر في ثمانية عشر موضعًا .. وعن الفقه والتفقه - بمعنى العقل والتعقل - في عشرين موضعًا .. وعن"التدبر"في أربع آيات .. وعن"الاعتبار"في سبع آيات .. وعن"الحكمة"في تسع عشرة آية .. وعن"القلب"كأداة للفقه والعقل - في مائة واثنين وثلاثين موضعًا .. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التي تبلغ في القرآن أكثر من ثمانمائة آية .. فالنقل الإسلامي - أي الشرع الإلهي - هو الداعي للتعقل والتدبر والتفقه والتعلّم .. والعقل الإنسانى هو أداة فقه الشرع، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الإلهي .. ولذلك لا أثر للشرع بدون العقل، كما أنه لا غنى للعقل عن الشرع، وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين.