منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ... ) .
وشاهدهم على اللغط بهذه الشبهة هو قوله عز وجل"اثنتى عشرة أسباطًا أممًا"والصواب الذي توهموه عبروا عنه بقولهم:
"كان يجب أن يُذَكَّر العدد، ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثنى عشر سبطا".
الرد على الشبهة:
وجَّه النحاة تأنيث العدد في الآية بأن السبط في بنى إسرائيل كالقبيلة عند العرب. يعني أنه أراد بالأسباط القبائل، ولذلك أنث جزئى العدد المركب، وهما: اثنتى، وعشرة.
هذا وجه، ووجه آخر هو تأويل السبط بالجماعة أو الفرقة أو الطائفة.
أما جمع أسباط، وكان حقه أن يفرد فقد روعى فيه المعنى دون اللفظ، ومراعاة المعنى دون اللفظ، أو اللفظ دون المعنى كثير الورود في النظم القرآني، ويبدو أن هؤلاء الطاعنين في سلامة القرآن من كل خطأ يجهلون هذه الأساليب في القرآن خاصة، وفي اللغة العربية عامة، ويتشبثون بظواهر العبارات حبًا في ترويج ما يريدون ترويجه من الشبهات الواهية وكان العرب النازل بلغتهم القرآن يذكِّرون عدد المؤنث مراعاة للفظ فيقولون: ثلاثة أنفس، أي رجال ويقولون عشر أبطن.
ففي الأول"ثلاثة أنفس"ذكَّروا العدد نظرًا للمعنى؛ لأن المعدود مذكر"رجال"وفي الثاني أنثوا العدد"عشر أبطن"لأن المعدود هو القبيلة أي عشر قبائل. وهذا باب واسع لا تحصر شواهده. أما جمع المعدود الذي في الآية"أسباطًا أممًا فله نظائر في الاستعمال المأثور الوارد عن العرب ومنه قول الشاعر:"
فيها اثنتان وأربعون حلوبة
سُودًا كخافية الغراب الأسحم
فقد وصف الشاعر"حلوبة"وهي مفرد، بقوله"سُودًا"وهو جمع سوداء.
ولهذه .. الشواهد نظائر من المأثور عن العرب الخلَّص.
والخلاصة:
فقد طاحت هذه الشبهة، وانمحت آثارها، كما طاحت نظائرها من قبل. ومن الدلائل القوية على صحة تأنيث العدد، فوق ما تقدم، أن بعض النحاة أضاف إلى بدلية"أمما"من"أسباطا"أن"أمما"وقعت نعتًا ل"أسباطا"و"أممًا"مؤنثة لفظًا. وسواء كانت"أممًا"بدلًا من"أسباطًا"أو كانت نعتًا له. فإن الذي لا نزاع فيه أن المؤنث لا يبدل من المذكر، ولا يقع نعتًا له. وهذا دليل قاطع على أن المراد من"أسباطًا"وإن كان مذكَّرًا في اللفظ، معنى مؤنث لا محالة. ولذلك أنث النظم القرآني جزئى العدد المركب"اثنتى عشرة".
أما جمع المعدود"أسباطًا أممًا"وإن وجهه النحاة توجيهًا صائبًا، فقد بقي في مجيئه جمعًا ملمح بلاغي دقيق ذلك الملمح نوضحه في الآتي:
بدأت الآية الكريمة بهذا الفعل"قطَّعناهم"بتشديد"الطاء"على وزن"فَعَّل"وهذا التشديد يفيد التكثير، أي كثرة التقطيع والتفريق. وهذا يناسبه بلاغة جمع"أسباطًا أممًا"لا إفرادهما، والمعاني البلاغية من هذا النوع تزال من أجلها كل الموانع والسدود. ولغة القرآن وبلاغته أوسع من قواعد اللغة وفنونها البلاغية.