هذه الشبهة من الشبهات التي أكثروا اللغو حولها. واتخذوها كذلك منفذًا للطعن في القرآن الكريم بأنه ليس وحيًا من عند الله.
وركزوا كل التركيز على تكرار القصص في القرآن وذكروا بعض القصص الذي تكرر، مع الإشارة إلى مواضعه في سور القرآن، كما ذكروا تكرار بعض العبارات والجمل.
ولغوا لغوًا كثيرًا، حول تكرار قصة آدم في القرآن، وقالوا إنها تكررت خمس مرات. ونحن نقول بل تكررت سبع مرات.
كما فعلوا الشيء نفسه مع التكرار الوارد في سورة"الرحمن"وادعوا أن القرآن إذا حُذف منه المكرر لم يبق منه إلا ما يملأ كراسة واحدة.
لذلك فإننا في الرد عليهم سنقف وقفة متأنية، نلقنهم فيها درسًا بليغًا حول التكرار الوارد في القرآن المحفوظ وبخاصة في سورة الرحمن، وتكرار قصة آدم في مواضع سبعة. لنقيم الحجة لله.
* الرد على هذه الشبهة:
يقع التكرار في القرآن الكريم على وجوه:
مرة يكون المكرر أداة تؤدي وظيفة في الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين.
وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.
فاصلة تكرر في سورة واحدة على نمط واحد.
قصة تتكرر في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة وعرض الفكرة.
بعض الأوامر والنواهى والإرشادات والنصح مما يقرر حكمًا شرعيًّا أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب في خير أو ينفر من شر.
وتكرار القرآن في جميع المواضع التي ذكرناها، والتي لم نذكرها مما يلحظ عليها سمة التكرار. في هذا كله يباين التكرار القرآني ما يقع في غيره من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولي معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفًا للنقد والطعن. لأن التكرار رخصة في الأسلوب إذا صح هذا التعبير والرخص يجب أن تؤتى في حذر ويقظة.
* وظيفة التكرار في القرآن:
مع هذه المزالق كلها جاء التكرار في القرآن الكريم محكمًا. وقد ورد فيه كثيرًا فليس فيه موضع قد أخذ عليه دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدي وظيفتين:
أولاهما: من الناحية الدينية.
ثانيهما: من الناحية الأدبية.
فالناحية الدينية باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.
أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه في جميع مواضعه يؤدي إلى تأكيد المعاني وإبرازها في معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذي أثبتناه في صدر هذا البحث.
* تكرار الأداة:
ومن أمثلتها قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(110) .
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119) .
والظاهر من النظر في الآيتين تكرار"إنَّ"فيهما. وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب"إنَّ"الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو في الموضعين أعنى الخبر"لغفور رحيم"لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت"إنَّ"مرة أخرى. ولهذه المخالفة سبب.
وهذا السبب هو طول الفصل بين"إنَّ"الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله"إنَّ"وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.