فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 324

على أن هناك وظيفة أخرى هي: لو أن قارئًا تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما"إنَّ"ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلق وضعف في الأولى، وتناسق وقوة في الثانية.

ومن أجل هذا الطول كررت في قول الشاعر:

وإن امرأً طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ *** عَلَى مِثْلِ هَذاَ إنَّهُ لَكَرِيمُ

يقول ابن الأثير رائيًا هذا الرأي: " .. فإذا وردت"إنَّ"وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة"إنَّ"أحسن في حكم البلاغة والفصاحة كالذي تقدّم من الآيات ".

* تكرار الكلمة مع أختها:

ومن أمثلتها قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون) .

فقد تكررت"هم"مرتين، الأولى مبتدأ خبرها:"الأخسرون". والثانية ضمير فصل جئ به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهي: هُمْ الأولى بالأخسرية.

وكذلك قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .

تكررت هنا"أولئك"ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسنًا وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكمًا عامًّا على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال في أعناقهم.

والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذي لا يعقبه خروج منها.

ولو أسقطت (أَولئك) من الموضعين الثاني والثالث لرك المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على: (الأغلال في أعناقهم) . واو حال. وتصبح الواو الداخلة على: (أَصحاب النار هم فيها خالدون) عاطفة عطفًا يرك معه المعنى.

لذلك حسن موضع التكرار في الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة في المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.

* تكرار الفاصلة:

سبق أن ذكرنا في مبحث الفواصل بسوء المصير من تكرار الفاصلة مرتين بدءًا وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار في تلك الصور. ولكنَّا هنا أمام فاصلة لم تقف في تكرارها عند حد المرات الثلاث. بل تعدت ذلك بكثير. لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هي بهذا الموضع أنسب.

ونعتمد في دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هي:"الرحمن القمر المرسلات". وهي السور التي برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية. بشكل لم يرد في غيرها، كما ورد فيها.

فقد تكررت: (فبِأى آلاء ربكما تكذبان) في"الرحمن". وتكررت (فكيف كان عذابى ونذر) في"القمر". وتكررت: (ويل يومئذ للمكذبين) في"المرسلات".

* تكرار الفاصلة في"القمر":

ولهذا التكرار في المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات. ففي سورة القمر"نجد العبارة المكررة وهي: (فكيف كان عذابى ونذر (قد صاحبت في كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أول موضع ذُكِرت فيه عقب قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح عليه السلام ثم انتصار الله لنوح عليهم. حيث سلَّط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله."

ونجد أن الله نجَّى نوحًا وتابعيه. ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فكيف كان عذابى ونذر (مُصدَّرًا باسم الاستفهام"كيف"للتعجيب مما كان، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهي قوله تعالى:(ولقد تركناها آية فهل من مدكِر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت