فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 324

ومن بين علماء الإسلام الذين عبروا - بصدق وعبقرية - عن تكامل العقل والنقل - الحكمة والشريعة - حُجة الإسلام - أبو حامد الغزالى عندما قال:"إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد واتباع الظواهر، ما أُتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أُتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط .. فمثال العقل: البصر السليم عن الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء، فأخْلِق أن يكون طالب الاهتداء المستغنى إذا استغنى بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور ..".

وهذه العلاقة بين العقل والنقل - علاقة التكامل والتآخى - هي التي أكد عليها أبو الوليد ابن رشد [520 - 654 هجرية/1126 - 1198 م] عندما قال:".. فإنا - معشر المسلمين - نعلم على القطع، أنه لا يؤدي النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له .. فالحكمة هي صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة .. وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة ..".

فالباب مفتوح على مصراعيه أمام العقل في سائر ميادين عالم الشهادة. وهو سبيل الفقه والفهم والتكليف في الشرع والدين .. لكن لابد من مؤازرة الشرع والنقل للعقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أخبار عالم الغيب والحكم والعلل من وراء بعض أحكام العبادات في الدين .. وما قد يبدو من تعارض - عند البعض - أحيانًا بين العقل والنقل، فهو تعارض بين العقل وبين"ظاهر"النقل وليس حقيقة معنى النقل أو مرجعه إلى تخلف"صحة"النقل .. أو تخلف"صراحة"العقل .. أو وجود ما يعلو على الفهم، لا ما يتعارض مع العقل .. فالعقل مع الشرع - كما قال حُجة الإسلام الغزالى -"نور على نور".. وما الحديث عن التعارض بينهما إلا أثر من آثار الغلو في أحدهما، تفريطًا أو إفراطًا.

وإذا كانت البداهة والخبرة البشرية - وحتى الحكمة الفلسفية - تقول: إن من مبادئ الدين والشرائع ما لا يستقل العقل بإدراك كنهه وحقيقة جوهره، فكيف يجوز لعاقل أن يدعو إلى تحكيم العقل وحده في كل أساسيات الدين؟! لقد قال الفيلسوف الفقيه أبو الوليد ابن رشد وهو الذي احترم عقلانيته المتألقة الأوروبيون والمسلمون جميعًا. قال عن رأى الفلاسفة القدماء في مبادئ الشرائع التي لا يستقل العقل بإدراكها:"إن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل في مبادئ الشرائع مثل: هل الله تعالى موجود؟ وهل السعادة موجودة؟ وهل الفضائل موجودة؟. وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد، ولذلك وجب قتل الزنادقة .. فيجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشرائع، لأن مبادئها أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية، وكيفية وجودها هو أمر معجز عن إدراك العقول الإنسانية، فلابد أن يعترف بها مع جهل أسبابها ..".

فليس هناك عاقل يحكِّم العقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من مبادئ الشرائع والمعجزات، وكنه وجوهر وحقائق المغيبات.

وليس هناك عاقل يغفل أو يتغافل عن مكانة ودور العقل في دين الإسلام.

وإدراك وظيفة العقل .. وميدان عمله .. وحدود قدراته، هو لب الاحترام للعقل، وليس فيه انتقاص من سلطانه، الذي تألق في دين الإسلام وفكر المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت