يقتضي المعارضةَ لآيةِ المداينات.
قلت: لا تعارضَ بينهما؛ لأنها في إثبات الوصاية والولاية، وهي ليست من جنسِ الأموال والمداينات، ولأن آية الوصية نزلت في أمر مخصوص، وسيأتي الكلام عليها هنالك - إن شاء الله تعالى - .
* ثم أجمع أهل العلم على أن شهادة النساء وحدهُنَّ في الولادةِ وعيوبِ النساء جائزةٌ.
وإنما اختلفوا في نصابهنَّ، فقال الجمهورُ: أربعُ نسوة، وأجاز بعضُهم شهادةَ المرأة وحدَها، واحتجَّ بأن علياً - رضي الله تعالى عنه - قبل شهادة القابلة وحدَها، ورُدَّ بأنه أثرٌ غيرُ ثابت عندَ أهل النقل.
* قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} .
-يحتمل أن يكون المرادُ إذا ما دُعوا لتحمُّل الشهادة؛ كقوله تعالى:
{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} ، وسُمُّوا شهداء تجوُّزًا باسمِ ما يؤولون إليه.
والتحمُّل فرضٌ على الكفاية، فيجب على المسلمين أن يتحمَّلوا الشهادة، فإن أَبَوا ذلك كلُّهم أَثِموا.
-يحتمل أن يكون المراد: إذا ما دُعوا لأداءِ الشهادة، وذلك فرضُ عينٍ إذا كانوا اثنين، وسُمُّوا شهداءَ على سبيلِ الحقيقة.
قال الشافعي: وهذا أشبه معانيه، والله أعلم.
-ويحتمل أيضًا أن يريد المعنيين جميعًا، ويكون منْ بابِ حمل المُشْتَرَكِ على جميع معانيه.
قال الحسن: جمعت هذه الآيةُ أمرين، وهُمَا: أَلَّا تأبى إذا دعيتَ إلى تحصيلِ الشهادة، ولا إذا دُعيتَ إلى أدائها، وقد حصلت عندك.
وأسند النَّقاشُ هذا التفسيرَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
* قولُه تعالى: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا، فيه دليل على أن الرجل لا يُرجع في الشهادة إلى خَطِّهِ ويُعتمدُ عليه إلَّا إذا تَيَقَّنَهُ، ولم يَرْتَبْ فيه؛ لأن الله سبحانه إنما ندب إلى الكتاب لإقامة الشهادةِ ودفعِ الرِّيْبَةِ.
وعلى هذا جمهورُ أهل العلم. قال ابنُ المنذر: أكثرُ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلم يمنعُ أن يشهدَ الشاهدُ على خَطِّهِ إذا لم يذكر الشهادة.
وذهب مالكٌ إلى جواز الشهادة اعتمادًا على الخَطّ.