قلت: الأمرُ كذلك على المذهبِ الصحيح عند الشافعية، لأنهما حجتان مذكورتان في كتابِ الله جل جلالُه، فلم تُسْقِط إحداهما الأخرى، بخلاف حجة اليمين مع الشاهد مع حجة الشاهدين، فإن حجة الشاهدين أقوى وأقدم؛ لذكرها في كتاب الله تعالى، والإجماع عليها دون الأخرى.
السادسة: تعميم الخِطاب يقتضي أن العبيدَ تُقبل شهادتُهم، وبه قال محمدُ بنُ سيرين، وشُرَيْحٌ، وأهلُ الظاهر؛ كما قالوا بدخول العبيدِ في خطاب الأحرار.
وروى ابنُ المنذر قبولَ شهادة العبيد عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - .
وقاله أنسُ بن مالكٍ، وقال: ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبيد.
والجمهورُ؛ كمجاهدٍ، والحسنِ، والنخعيِّ، والزهريّ، وعطاءٍ، وسائرِ فقهاءِ الأمصار على خلافهم، وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - .
السابعة: تعميمُ الخطاب يقتضي قبولَ شهادة العدل معَ قيام التهمة؛ كشهادة الوالدِ لولده، والعدوِّ على عدوه، وبالتعميمِ قال داودُ، وأبو ثورٍ، وشريحٌ القاضي، فقبلوا شهادةَ الوالدِ لولدهِ، والجمهورُ على خلافهم.
* نعم اختلفوا في شهادةِ العدوِّ على عدوِّه، فقبلها أبو حنيفةَ، وردَّها مالكٌ والشافعيُّ؛ لما روى عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ردَّ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ، وذي الغِمْرِ على أخيهِ.
* واختلفوا في شهادةِ أحدِ الزوجين لصاحبه، فردَّها مالكٌ وأبو حنيفةَ، وقبلها الشافعيُّ.
* وأجاز قومٌ شهادةَ الزوجِ لزوجته، ومنعوا شهادتَها له، وبه قال النخعي.
الثامنة: وَرَدَ تحديدُ نصابِ الشهود في الزنا بأربعة في غير موضع من كتاب الله تعالى.
وورد تحديدُه في التحليل والتحريم فيما لا مال فيه ولا يقصدُ به المالُ شاهدين، فقال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] ، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:"لا نِكاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ".
وورد تحديدهُ هنا برجلين، أو رجل وامرأتين، فالحق به أهلُ العلم كلَّ ما كانَ من بابِ الأموال، حتى ألحق بها الجمهور إثباتَ القتلِ، وألحقَهُ الحسنُ بالزنا، وجعلَ النصابَ فيه أربعةً.
ومنع الجمهورُ أن تُلحقَ الحدودُ بالمداينات، وجوَّزها أهلُ الظاهر.
فإن قلتم: فقد جعل الله سبحانه النصابَ في الوصية شاهدين، وهو