وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والنخعيُّ، والأوزاعيُّ، والزهريُّ، والحَكَمُ، والليثُ، وأهلُ الأندلس من أصحاب مالكٍ، فلا يحكم بالشاهد واليمين عندهم في شيء.
وعُمْدَتُهم هذا التقسيمُ المُؤْذِنُ بالحصر.
وما خرَّجه البخاريُّ ومسلم عن الأشعثِ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في شيء فاختصمنا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال:"شاهِداكَ أو يَمينُهُ"، فقلت: إذًا يحلفُ ولا يبالي، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِق بِها مالًا، وهُوَ فاجِر، لقيَ اللهَ وهُوَ عَلَيْهِ غضْبانُ".
قالوا: ولا يجوزُ عليه - صلى الله عليه وسلم - ألاَّ يستوفي أقسامَ الحُجَّةِ للمدَّعي؛ لأنه وقتُ البيان.
-وذهبَ جمهورُ أهلِ العلم من الصحابة والتابعين إلى إثبات الحقِّ
بالشاهدِ واليمينِ في المال، وما يقصد به المالُ، فقال به أبو بكرٍ، وعليّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وفقهاءُ المدينة، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وسائرُ فقهاء الحجاز.
واستدلُوا بحديثِ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - المُخَرَّجُ في"صحيح مسلم": أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد.
وبما أرسله جعفرُ بنُ محمدٍ عن أبيه: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد.
* ثم اختلف مالكٌ والشافعيُّ في القضاء باليمين مع الامرأتين:
فجوزه مالكٌ؛ لأنهما قد أقيمتا مقام الرجل الواحد، ومنعه الشافعيُّ، ورأى أنهما إنما أقيما مقامَ رجلٍ آخرَ؛ بدليل أنَّ الأربعَ لم يقمن مقامَ الرجلين.
* فإن قيل: فترتيبُ المرأتين على الرجلين يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ النساء إلا بعد عَدَمِ الرجال.
قلت: قد قال بذلك قومٌ، والحقُّ الذي عليه الجمهورُ أن الشرطَ للتقسيم لا للترتيب، والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، فقال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} ، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مرادًا لقال: فإنْ لم تجدوا.
* فإن قيل: إذا كان الشرطُ لبيان التقسيمِ لا للترتيب، فيجب ألَّا تكون حجة الرجلين أقوى من حُجَّةِ رجل وامرأتين.