-وقال قومٌ: الأمرُ محكَمٌ غيرُ منسوخ بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ؛ لأنه إنما ذلك عندَ عدمِ الكاتبِ والشهودِ في السفر.
وحكى هذا القولَ مكيُّ بنُ أبي طالبٍ عن ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سيرينَ، وأبي قِلابةَ، والضحاكِ، ومجاهدٍ، والشعبيِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ.
2 -وقال أكثر أهل العلم: الكتابةُ والإشهادُ بالدَّيْنِ غيرُ واجبَيْن، ورُوِي عن ابن عباس أيضًا، والأمر في ذلك على النَّدْبِ والإرشادِ.
والدليلُ على ذلكَ: قولهُ تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} ، وهذا إرشاد إلى دفع التظالم، وحفظ المال، وعدم الرِّيْبَةِ في حفظِه بالشهادةِ، وتقويم الشهادة على وجهها، وقوله تعالى:
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .
والجوابُ عَمّا قاله الأولون: أن الأمر بالرهن عند عدم الإشهاد محمولٌ على الندب والإرشاد أيضًا لأصحاب الأموال إلى حفظ أموالهم، فهو كالكتابة، وأما حصولُ الجُناح إذا لم يُكْتَبْ، فليس على حقيقته، بل قد يُستعمل الجُناح في تركِ قبول الإرشاد، كما يقول القائل: إن قبلتَ مشورتي فلا جناح عليك، ومفهومه إنْ تركتَ قبولَها فعليك الجُناح.
فإن قلتم: هل نجد على هذا دليلًا من السُّنَةِ غيرَ هذا؟
قلت: نعم، روي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابتاعَ فَرَسًا من أعرابيٍّ، فاستتبعَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليقضيَه ثمنَ فرسِه، فأسرعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبطأ الأعرابي، فطفقَ رجالٌ يتعرَّضونَ للأعرابيِّ، فيساومونه بالفَرَسِ، لا يشعرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: إن كنتَ مُبتاعًا هذا الفرسَ، وإلا
بعتُهُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَوَليسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟"، فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتُكهُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، فطفق الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خُزَيْمَةُ: أنا أشهد أنكَ قد بايعته، فأقبل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على خزيمةَ وقال:"بمَ تَشْهَدُ؟"فقال: بتصديقك يا رسول الله! فجعلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شهادةَ خُزَيْمَةَ شهادَةَ رجلين.