روى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وهم يُسْلِفون في التَّمْرِ السنةَ والسنتينِ، وربما قال: السنتينِ والثلاثَ، فقال:"مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعلوم ووَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلومٍ".
فإن قيل: فقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لحَكيم بنِ حزامٍ:"لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ".
قلنا: يحتمل أن يكون المعنى: لا تبعْ ما ليس عندك، أي: ما ليسَ مُلْكَكَ، ويحتمل أن يكونَ المعنى: ما ليس عندك، أي: ما كان غائبًا عنك؛ مِمَّا ليسَ يُسْلَمُ، ويكون الحديثُ مرتبًا على الآية، ومخصوصًا بها.
وبيَّن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجبُ إحضار الثمنِ المُسْلَفِ، فنهى عن بيع الكالِئِ بالكالِئِ، وعلى هذا أيضًا أجمعَ أهلُ العلم.
* وفي الآية تنبيهٌ على أنه لا يجوز المداينةُ إلا إلى أجل مُسَمًّى، فأما الأجلُ المجهولُ، فلا يُكْتَبُ؛ لعدم صِحَّته؛ لما فيه من الغَرَرِ العظيم، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم.
* وإنَّما اختلفوا في التوقيتِ بالأوقاتِ المعلومةِ الوقتِ، المجهولةِ المقدارِ؛كالتأجيل بالحَصاد والعَطاء والمَوْسم، فمنعه أبو حنيفةَ والشافعيُّ، وجَوَّزَه مالكٌ، ورأى غَرَرَهُ يسيرًا؛ كنقصان الشهور.
* وأمر الله سبحانه بكتابةِ الدين إلى أجل مُسَمّى:
1 -فتركه قومٌ على ظاهره، وحملوه على الوجوب والحَتْم، فيجب على من له أو عليه الدين أن يكتبَهُ إذا وجدَ كاتبًا، وأن يُشْهِدَ؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة: 282] ، ولقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282] ، فلما رخَّص في ترك الكتابة عند حضورِ التجارةِ برفع الجُناح، دلَّ على أن الأمر على الحَتْم.
ثم اختلف هؤلاء:
فقال قومٌ: الحتمُ منسوخ بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] ، وحكى هذا مَكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ عن الحسنِ والحكمِ والشعبيّ ومالك.
وروي أن أبا سعيد الخدريَّ تلا: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} حتى بلغ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: 282 - 283] الآية، فقال: هذه الآيةُ نسختْ ما قبلها.