-وقال الشافعي في الجديد: العِلَّةُ لِصِنْفَي الربا من الفَضْلِ والنسيئةِ، وَصْفٌ واحدٌ، وهو الطُّعْمُ فقط، فتعدَّتْ علتُه إلى المطعوم الذي لا يُكال ولا يوزن، واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَبيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلا مِثْلًا بمِثْل"، فعلق الحكم باسم الطعام، فدل على أنه علَّة الحكم.
-وقال أبو حنيفة: العلة لصنفي الربا وَصْفٌ واحدٌ، وهو الكَيْلُ.
ويدل له ما روي في حديث عبادة - رضي الله تعالى عنه -:"والبُرَّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ كَيْلًا بكَيْلٍ"وقولُ عمرَ - رضي الله تعالى عنه -: الدينارُ بالدينارِ، والدرهُم بالدرهمِ، والصَّاعُ بالصَّاع.
-وأما مالكٌ، فجعل الطُّعْمَ عِلَّةً لتحريم النَّساء، وجعلَ القوتَ والادِّخارَ علةً للتفاضُل، فإذا اتحد الصنفُ المُقتاتُ، حَرُمَ فيه صِنْف الربا من الفَضْل والنسيئة، وإذا اختلفا، جاز فيه التفاضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ، وإذا اتَّحَدَ الصنفُ من المطعومِ غيرِ المُقْتاتِ كالفاكهة، حَرُمَ النَّساءُ، وجازَ التفاضُلُ.
ولم يتبين لي دليلُ التفرقة بين صِنْفَي الربا.
* وبيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن التفرُّقَ من المجلس قبل القَبْض في معنى النَّساء.
روينا في"صحيح البخاري ومسلم"عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ ربًا، إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعير رِبًا، إلا هاءَ وهاءَ".
واقتصرت على هذا القدر، فإنه كافٍ في معرفة أصول الربا، وهو اللائق بكتابي هذا.
* وفي الآية دليل على أن من استحل ما حَرَّمَ اللهُ سبحانه ممَّا اتفقتْ عليه الأمةُ، وشاع تحريمُه فيها: أنه يكفُر بذلك، وهو قوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .
ولا يخلد في النار إلا من هو كافرٌ.
* وفيها دليل على أنه إذا استحل ذلك جاهلًا، فلا يَكْفُر؛ فإن الخطابَ يدلُّ على أن من لم تأتِهِ موعظةٌ من ربه، فلا حَرَجَ عليه.
(وجوبُ تركِ التَّعامُل بالرِّبا)