فنصّ في حديث عبادة - رضي الله تعالى عنه - على ستة أعيان، فحرم فيها النَّساءَ تحريمًا مطلقًا، وحرم فيها التفاضُلَ إذا اتفقَ الجنسانِ، وأحلَّه إذا اختلف الجِنْسان.
وعلى هذا اتفق أهلُ العلم، إلا ما حكيَ عن ابنِ عُلَيَّةَ أنه قال: إذا اختلفَ الصِّنفانِ، جاز التفاضُلُ والنسيئةُ، ما عدا الذهبَ والفضةَ في النسيئة.
وقد اتفق أهلُ العلم على العمل بحديث عبادةَ، إلا ما ذهب إليه مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، ومعظمُ علماءِ المدينة والشام: أن البُرَّ والشعيرَ جنسٌ واحدُ، فلا يجوز فيهما التفاضُلُ.
واحتج بعَمَل أهل المدينة.
وفي بعض رواياتِ حديثِ عبادة:"فَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ"، وصححها التِّرمذيُّ.
* ثم اختلف أهلُ العلم.
-فمنهم من قَصَرَ صِنْفَيِ الربا الفَضْل والنسيئة على هذه الأعيان الستة، ولم يُلْحِقْ بها غيرَها، فمهما اتفقَ الجنسان، حَرُمَ الفضلُ والنسيئةُ، ومهما اختلف الجنسانِ، حَرُمَ النسيئةُ، وجازَ الفضلُ.
وبهذا قال أهلُ الظاهر، وذلك لمنعهم القولَ بالقياس.
-وذهب الجمهورُ إلى إلحاق غيرها بها، فنظروا في الأعيانِ الستةِ، فوجدوها ترجعُ إلى شيئين: نَقْدٍ وغيرِ نقدٍ.
واختلفوا في عِلَّةِ النقدين.
-فذهبَ مالك والشافعيُّ إلى أن علةَ صِنْفي الربا فيهما كونُهما قيمَ الأشياء، فمعناهُما قاصر عليهما لا يتعدَّاهما، بل يمنع أن يلحقَ بهما غيرُهما.
-وذهب أبو حنيفةَ إلى أن علةَ الربا كونُهما موزونَيْنِ، فلا يجوز التفاضُلُ ولا النساء في مُتَّحِدِ الصنفِ، كالحديد بالحديد، ولا يجوز النَّساءُ في مختلف الصنف؛ كالحديد بالرصاص وإن جاز التفاضل، إلا في الذهب والفضة مع غيرهما، فإنه يجوز فيهما النَّساء والتفاضُل، لانعقاد الإجماع على جواز إسلامهما في غيرهما من الموزونات، فالمعنى عنده متعدّ، لكنه مخصوصٌ.
ثم اختلفوا في علة غيرِ النَّقْد.
-فقال سعيدُ بن المسيِّب: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزَن ممّا يؤكل أو يشرب، فجعل العلةَ في النقدين قاصرةً، والعلةَ في غيرهما معتبرةً بوصفين: الطُّعْم مع الكيل أو الوزن.
وبه قال أحمدُ، والشافعيُّ في القديم.