والثاني: ربًّا بيَنَهُ الشارعُ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو على ضربين أيضاً: أحدهما: ربا الفَضْل، كبيعِ الدينار بالدينارين، والدرهمِ بالدرهمين.
والثاني: ربا النَّسِيئَةِ، كبيع دينارٍ ناجزاً بدينارٍ غائباً، فهذا متفق عليه بين المسلمين.
* وأما ربا الفَضْل، فخالف فيه ابنُ عباسٍ وابنُ عمر - رضي الله تعالى عنهم - ، وكانا لا يريان بأساً في بيع الدرهم بالدرهمين ناجزاً، ويروى عن عروة بنِ الزبير - رضي الله تعالى عنهما - ، واحتج ابنُ عباس فقال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّما الربا في النَّسيئَةِ".
وروي عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أنه قال: كنت أُفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيدٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ينهى عنه، فأنا أنهاكم عنه.
وكذلك رجعَ ابنُ عمرَ - رضيَ الله تعالى عنهما.
والذي عليه أمرُ الصحابةِ وسائرِ السَّلَف، واستقرَّ عليه أمرُ المسلمين تحريمُ رِبا الفَضل؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية عمر، وأبي سعيد الخدريِّ، وعثمانَ، وأبي هريرةَ، وأبي الدرداء، وعبادةَ بنِ الصامت، وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - .
روينا في"صحيح مسلم"عن أبي الأشعث الصَّنعْانيِّ قال: كُنا في غَزاةٍ علينا معاويةُ، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاويةُ رجلًا أن يبيعَها الناسَ في
أعطانهم، فتسارع الناس فيها، فقام عُبادةُ بنُ الصامتِ، فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجلُ مُعاوية، فشكا إليه، فقامَ معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يحدِّثونَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديثَ يكذبون عليه فيها، ولم يسمعوها؟ فقامَ عبادةُ فقال: والله لنحَدِّثَنَّ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كرهَ معاوية، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءً"، وفي بعض الروايات:"يَدًا بيِدٍ، عَيْنًا بِعيْنٍ"، وفي بعض الروايات:"فَمَنْ زادَ أَوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أَرْبى"، وفي بعض رواياته:"فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هذهِ الأصنافُ، فَبيعُوا كيفَ شِئْتمُ، إذا كانَ يَدًا بِيدَ".