* ثم بَيَّنَ اللهُ سبحانه أنها إذا خرجتْ من المنزل وأبطلَتْ حقَّها، فلا جُناح على الوارثِ في ترك النفقةِ، فَفُهِمَ من هذا أن النفقةَ تابعة للسُّكنى كما وجبتْ للزوجةِ وللرجعيةِ، ولهذا المعنى قال قومٌ بوجوب النفقةِ للمَبْتوتَةِ لمَّا وجبتْ لها السُّكْنى.
فإن قلتم: فهل كان الخروجُ لها جائزاً، فَعِدَّتُها على التخيير؟
قلت: نعم؛ لقوله تعالى: {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} [البقرة: 240] .
قال عطاء: إن شاءت اعتدَّتْ عندَ أهلهِ، وسكنتْ في وَصِيتَّهِا، وإن شاءت خرجتْ؛ لقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 234] .
ودلَّنا هذا على أن كلَّ من وجب له حقّ، ثم تركه، فلا جُناحَ عليه.
* إذا تمَّ هذا، فقد اتفقَ أهلُ العلم بالقرآن على أن الحَوْلَ منسوخٌ بالآية الأولى، إلَّا ما يروى عن مجاهدٍ.
روينا في"صحيح البخاري"عن ابن الزبير: قلتُ لعثمانَ بنِ عَفَّانَ - رضي الله تعالى عنه -: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 240] قد نسختها الأخرى، فَلِمَ تكتُبها، أو تَدَعُها؟ قال: يا ابْنَ أَخي!
لا أُغَيِّرُ شيئاً من مَكانِه.
وروينا فيه أيضاً عن أبي نَجيح عن مجاهدٍ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234] قال: كانت هذه العِدَّةُ عندَ أهلِ زَوْجها واجب، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} قال: جعل الله لها تمامَ السنة سبعة أَشْهُرٍ وعِشرين ليلةً، وَصِيَّةً، إن شاءتْ سكنتْ في وَصِيّتِها، إن شاءتْ خرجتْ، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ، فالعِدَّة كما هي واجب عليها.
ثم قال البخاري: زعم ذلك عن مُجاهدٍ.